بتعليبها وترويجها.. مغربية تعيد التألق للحبوب الغذائية الكاملة

بتعليبها وترويجها.. مغربية تعيد التألق للحبوب الغذائية الكاملة

العمل في مجال الحبوب القديمة عمل شاق لهذا تركها الناس وزهدوا فيها (الجزيرة)
العمل في مجال الحبوب القديمة عمل شاق لهذا تركها الناس وزهدوا فيها (الجزيرة)

مريم التايدي-المغرب

ابتاع خالد (مهندس في الأربعينيات) بعض الحلويات من أحد المخابز العصرية ذات العلامة التجارية الفرنسية ذائعة الصيت بالعاصمة الرباط، قبل أن يثير اهتمامه الخبز الصغير المزين بحبوب الشوفان.

خالد ابن مزارع عايش كيف كان المزارعون في بلدته يستعملون الشوفان والشعير و"شقالية" أعلافا للدواب.

ابتسم خالد ساخرا وابتاع خبز الشوفان، بعد أن اقتنع بفوائده واستمع لخبراء في التغذية يعددون مناقب حسائه.

عودة الحبوب الكاملة
أما سهاد أزنود فتركت عملها في الصناعات الغذائية بعد سنوات من الدراسة والخبرة في هذا المجال، وعادت إلى بلدة أجدادها بجماعة كيسان بتاونات (ضواحي فاس وسط المغرب) لتزرع "شقالية" ("الشيلم" حسب بعض المناطق أو "السيكال"، وهي نوع من الحبوب القديمة يوشك على الاندثار).

ركزت سهاد اهتمامها على المنتجات "المجالية" المرتبطة بمجال جغرافي محدد، وتحديدا الحبوب القديمة.

تحكي المتخصصة في الصناعات الغذائية للجزيرة نت كيف حافظت عائلتها دائما على بذور الشقالية، وتركت هامشا من الزراعة لها.

عملت سهاد على إقناع المزارعين في منطقتها بالرجوع إلى استعمال البذور الطبيعية والتركيز على إنتاج حبوب الشقالية، وعملت على تطوير بنك للبذور.

عند طحن الشقالية يمكن أن يستعمل دقيقها مثل دقيق القمح (الجزيرة)

القرب من المستهلك
عملت سهاد على تثمين الشقالية وتعليبها، وتقول للجزيرة نت إن الشقالية تصبح جاهزة في الصيف كما باقي الحبوب، ويعمل المزارعون والمزارعات بغفساي ضواحي تاونات على حصادها، في حين تشتغل نساء التعاونية في تعليبها وتقديمها للمستهلك وإعادة ألقها.

وتوضح أن المنتج النهائي عبارة عن حبوب لها استعمالات الأرز نفسها، ويمكن أن تعوّضه.

وعند طحن الشقالية يمكن أن يستعمل دقيقها مثل دقيق القمح للخبز وعجن الحلويات والكسكس وغيره من الاستعمالات.

ثقة وفوز
راهنت سهاد على إنتاج الشقالية نظرا لقيمته المضافة خصوصا على المستوى الصحي من جهة، والحفاظ على الثروة الطبيعية من جهة أخرى، ووثقت في تجربة مشروع تثمين الحبوب القديمة، وعملت على تشجيع النساء، والحفاظ على منتجات محلية كانت توشك على الانقراض، وعملت على مصادقتها بيولوجيا، واجتهدت في تكثير البذور للحفاظ عليها.

وأدمجت عبر تعاونية تديرها، نساء المنطقة في أنشطة مدرّة للدخل، وكوّنت عضواتها في مجال الفلاحة العائلية البيولوجية، ففازت بالجائزة الثالثة ضمن جائزة "تميز للمرأة المغربية" في دورتها الرابعة لسنة 2018، التي تنظمها وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، عن مشروعها المتعلق بتثمين وتسويق المنتجات الفلاحية المحلية الصحية في طور الانقراض.

فازت سهاد بمشروعها بالجائزة الثالثة ضمن "تميز للمرأة العربية" (الجزيرة)

موضة الحبوب العريقة
الحبوب القديمة أو العريقة الشقالية والشوفان والشعير والذرة البيضاء الصغيرة وغيرها، زهد فيها المزارع والمستهلك المغربي، وقدمت حبوبها أعلافا للحيوانات، واستعملت لتسقيف المباني قديما، ومن تبنها تملأ سُرج الدواب.

كان الأجداد يتناولونها وتدخل في عاداتهم الغذائية، واليوم أثبت العلم الحديث فوائدها الصحية ومكوناتها الطبية، وأضحت تعرف عودة قوية للموائد وللمحلات العصرية، وتدخل في صناعة العديد من الحلويات والحلوى التجارية الخاصة، وتعرف انبعاثا جديدا بوصفات عصرية، فهل كان الأجداد أكثر علما منا بفوائد الغذاء؟

تقول سهاد إن العمل بالحبوب القديمة عمل شاق، لهذا تركها الناس وزهدوا فيها، بالإضافة إلى أن مردودية البذور الطبيعية غير الملقحة تكون في الغالب ضعيفة. 

فوائد صحية
يؤكد رئيس الجمعية المغربية لعلوم التغذية عبد اللطيف بور أن الحبوب القديمة كلها مهمة، تزوّد الجسم بكل ما هو مفيد وجيد للصحة.

ويوضح خبير التغذية، في حديث للجزيرة نت، أن الحبوب العريقة غنية بالألياف الغذائية التي تلعب دورا مهما في تسهيل مرور الأغذية بالأمعاء، لتفادي القبض أو الإسهال، وتشكل شبكة واقية لجدار الأمعاء.

ويضيف أن الألياف الغذائية التي توفّرها الحبوب الكاملة تعتبر من الأغذية الأساسية للميكروبات المعوية التي تعيش معنا.

ويرى أن الحبوب العتيقة غنية بالفيتامينات مثل "ب 12"، التي تقوي الجهاز العصبي وبالتالي تحمي من الأمراض العصبية مثل ألزهايمر، وتقي من أمراض القلب والشرايين.

تدعو سهاد إلى ضرورة تشجيع هذا النوع من الزراعات وتقديم الدعم له (الجزيرة)

تغير الذوق العام
يتأسف كل من عبد اللطيف بور وسهاد عن الابتعاد عن نمط الغذاء الطبيعي المهم، ويعتبران أن الأجداد عاشوا في فترة لم تكن الوفرة في الأغذية المكررة والمضاف إليها مضافات غذائية.

وأشار خبير التغذية بور إلى تغير الذوق العام، وحذر من نمط استهلاك الدقيق الأبيض المجرد من الألياف والفيتامينات، قائلا إنه غني بالسكر.

وينصح بضرورة توفير الحبوب الطبيعية في الأسواق وتقريبها من المستهلك.

ويؤكد على ضرورة تناول شوربة الحبوب الكاملة، وقال "إن من فضل الله في الحوض المتوسط، التنوع الغذائي المهم".

الأمر الذي تؤكده سهاد، معتبرة أن الخصائص المناخية للمنطقة تنسجم والحبوب الطبيعية والعتيقة، داعية إلى ضرورة تشجيع هذا النوع من الزراعات وتوفير الدعم للعودة إليه.

المصدر : الجزيرة