قصص أميركا الخفية.. جنرال حرب الاستقلال كان امرأة

بطل الثورة الأميركية كاسيمير بولاسكي قدم من بولندا وهو ينحدر من عائلة أرستقراطية كاثوليكية (غيتي إيميجز)
بطل الثورة الأميركية كاسيمير بولاسكي قدم من بولندا وهو ينحدر من عائلة أرستقراطية كاثوليكية (غيتي إيميجز)

زهراء مجدي

يعتقد الباحثون أن الهيكل العظمي لكاسيمير بولاسكي، الجنرال البولندي الذي قاتل مع جورج واشنطن في حرب الاستقلال الأميركية، وكان في منصب قائد الفرسان في القرن الثامن عشر؛ كان لامرأة.

بدأ هذا الظن عندما تمت إزالة النصب التذكاري لكاسيمير الموجود في سافانا بولاية جورجيا، وتم بناؤه عام 1854؛ حيث يوجد أسفل هذا النصب صندوق معدني يضم عظام الجنرال.

وقال عالم الأنثروبولوجيا أستاذ الطب الشرعي في جامعة ولاية أريزونا، تشارلز ميربس، إنه سمح للباحثين باستخراج الهيكل العظمي من أجل دراسته، وامتنع عن تأكيد هذه الشكوك إلا بعد صدور تقرير نهائي، بحسب صحيفة غارديان البريطانية.

يعمل مع تشارلز علماء آخرون، من بينهم كارين بيرنز عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة جورجيا التي وقفت أمام حجرة الرفات لتخبر الصحافيين أن الهيكل العظمي تقريبا مثل الإناث، وعليهم ألا يصرخوا إذا قرروا النظر للرفات.

من بين الفريق، تشرح فرجينيا هوتون ستاربوك أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورجيا، إحدى الطرق التي يمكن بها التمييز بين الهياكل العظمية للذكور والإناث، وهي عظام الحوض؛ فعند الإناث يكون شكل تجويف الحوض أكثر بيضوية، أما عند الذكور فالتجويف يشبه شكل القلب.

بدا تجويف حوض كاسيمير أنثويا للغاية، كما كانت بنية الوجه وزاوية الفك أنثوية. وقالت فيرجينيا إن الهيكل العظمي ظهرت عليه علامات محاكية لتلك التي تحدث مع ركوب الخيل باستمرار، وكسر في اليد اليمني عُرف عن الجنرال، وأكدت فيرجينيا أن فريق البحث الذي تتبعه لم يكن أول من يشك في كاسيمير؛ ولكن من دون تأكيد الحمض النووي كانت الشكوك مرفوضة.

بولاسكي كان ذراع جورج واشنطن اليمنى في حرب الاستقلال (مواقع التواصل)

لغز تتوارثه الأجيال
ظهر التشكيك فيما إذا كان الهيكل العظمي بالفعل لكاسيمير منذ القدم، وهو ما لم يتمكن الباحثون قديما من إثباته، لعدم وجود حمض نووي آخر لكاسيمير لتتم المقارنة بينه وبين الرفات، ولكن لأهمية الموقف استمر البحث أكثر من عقد من الزمان عن وسيلة للتأكد.

وهذه المرة تمكن الباحثون من تأكيد أن الهيكل العظمي لكاسيمير، من خلال الحمض النووي لبقايا رفات ابنة أخته، والتأكد من تشابه الخصائص.

فعلى مدى 150 عاما، كان هناك سؤال حول ما إذا كان كاسيمير قد دُفن في البحر أم في قبر غير محدد في سافانا. وأخيرا في عام 1996، مُنِح إذن لدراسة البقايا داخل نصب بولاسكي التذكاري وسط مدينة سافانا.

وأشارت النتائج التي توصل إليها الباحثون إلى أن الهيكل العظمي في المقبرة بدا "أنثويا بيولوجيا"، وفقا للبيان الصادر من جامعة جورجيا الجنوبية.

منذ ذلك الوقت لم يتم إجراء مزيد من الدراسة بسبب نقص التمويل، حتى واصلت ليزا باول طالبة الدراسات العليا في جامعة جورجيا الجنوبية وجامعة لويزا باول البحث في عام 2015، بعد أن ورثت عن أبيها وثائق متبقية من فريق بحث عام 1996، وصندوقا مليئا بالملاحظات المدونة للباحثين، وتقارير كتبها والدها تشاك باول الذي كان مؤرخا وجزءا من فريق البحث الأصلي.

الذراع اليمنى لجورج واشنطن
نشأ كاسيمير كرجل في عائلة بولندية أرستقراطية كاثوليكية، وتعلم القتال وركوب الخيل من سن صغيرة، وكانت المرة الأولى التي اختبر فيها مهاراته في معركة ضد الغزاة الروس قبيل مغادرته بولندا عام 1772.

هرب كاسيمير إلى باريس عندما انفضح تورطه في مؤامرة لاغتيال الملك الذي فرضته روسيا على بولندا، وهناك التقى ببنجامين فرانكلين الذي أرسل الفارس الشاب إلى المستعمرات الأميركية المتمردة للانضمام إلى جيش جورج واشنطن.

أحب الأميركيون كاسيمير وعدوه بطلا ولقبوه بأبي سلاح الفرسان الأميركي (غيتي إيميجز)

أثبت كاسيمير ولاءه عام 1777 عن طريق منع القوات البريطانية المتقدمة من هزيمة واشنطن في معركة برانديواين، مما جعل واشنطن ممتنا له وعينه قائد سلاح الفرسان الأميركي، ليحوله إلى قوة قتالية مدربة تدريبا جيدا، على الرغم من أن كاسيمير بالكاد كان يتحدث الإنجليزية.

كان بولاسكي في الرابعة والثلاثين من عمره فقط عندما أُصيب بجروح قاتلة عام 1779 أثناء قيادته سلاح الفرسان في حصار سافانا، والتي كانت أقسى معاركه، حتى مات على متن سفينة عسكرية بعد المعركة بأيام.

لم يتزوج كاسيمير قط، بينما تكشف خطاباته أنه كان على علاقة وثيقة بامرأة تزوجت أميرا بولنديا، وليس من الواضح ما إذا كانت هناك نساء أخريات في حياته.

هل يظل كاسيمير بطلا إذا تغير جنسه؟
تروي الحكايات عن كاسيمير أنه كان جنرالا من نوع خاص، وذا دوافع عميقة، وفارسا ومقاتلا شرسا وماهرا، وكان يتمتع بالجاذبية، ويبدو ذلك في انجذاب القادة له، ورغبتهم في منحه السلطة واحترامهم له رغم أنه كان متطلبا كما ظهر في خطاباتهم عنه.

أحب الأميركيون كاسيمير وعدوه بطلا ولقبوه بأبي سلاح الفرسان الأميركي، وسميت العديد من المدن والمقاطعات والمدارس باسمه، فضلا عن طرق مهمة مثل طريق بولاسكي سكايواي العام في نيوجيرسي وطريق بولاسكي في شيكاغو؛ كما ينتمي ضباط الشرطة البولنديون الأميركيون في مدينة نيويورك إلى جمعية بولاسكي، وهناك أيضا موكب يقام سنويا منذ عام 1937 في مدينة نيويورك باسمه.

ورغم قدم الشائعات، من الصعب اليوم على محبي كاسيمير تصديق أن الفارس الذي مات دفاعا عن الحرية الأميركية كان امرأة بيولوجية تعيش كرجل، والجميع الآن بانتظار عرض القصة الكاملة عن النتائج التي توصل إليها الباحثون في فيلم وثائقي لقناة سميثسونيان بعنوان "قصص أميركا الخفية: الجنرال كان أنثى؟".

وحتى هذا الوقت، يمتنع الباحثون عن تأكيد الشكوك خاصة أن قناة سميثسونيان هي ممول البحث القائم الآن.

المصدر : الجزيرة