تحرسها المسنة فاطمة.. أدوات الخوص صناعة تراثية فلسطينية

علا موسى-غزة

داخل منطقة مهمشة في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وبالتحديد في حي اللحام بمنطقة المواصي، تقيم المئات من الأسر الفقيرة التي تسكن في بيوت مهترئة مكونة من صفائح حديدية وأخرى إسبيست (ألواح خفيفة مصنوعة من معادن وألياف تستخدم في الأسقف) ووسط تلك المنازل تخرج أدوات منزلية تصنع من الخوص التي تعتبر من الأدوات التراثية الفلسطينية القديمة وتصنعها سبعينية تدعى فاطمة وتعمل فيها منذ 56 عاماً.

‪‬ فاطمة اللحام حافظت على موروث سيدات العائلة في صناعة الأدوات من الخوص(الجزيرة)

موروث سيدات العائلة
فاطمة حسن اللحام (71 عاما) ولدت بالحي القديم في مدينة خانيونس، داخل أسرة فلسطينية كانت تعمل مع الحكام العثمانيين في منطقة قلعة برقوق التراثية القديمة قبل الاستعمار الإنجليزي لفلسطين عام 1918، لكنها حافظت على موروث سيدات العائلة في صناعة الأدوات من الخوص.

تعتمد على أوراق النخيل المجفف ونبات الحلفاء الخشنة، وتحضرها من المنطقة التي تعيش فيها، وهي من المناطق التي تنتشر فيها النخيل، وتقوم بتحديد الشكل الذي تود صناعته، بشكل دقيق على مَسن حديدي، وبالاستعانة بإبرة الخياط بحجمها الكبير وعلى خيط المصيص القوي.

‪تعتمد في صناعة الخوص من أوراق النخيل المجفف ونبات الحلفاء الخشنة‬ (الجزيرة)

بألوان زاهية
تقوم فاطمة بصباغة بعض الخوص بألوان الزهر والأخضر والبني والأحمر، ولصناعتها صبغات مخصوصة بألوان متعددة تصنع أدوات عديدة منها، مثل الأواني والصينيات والكؤوس والعلاقات وصبابات القهوة وعلاقات المناظر والصور، وأواني الطبخ لتوضع بداخلها الأواني الحديدية وتحمي ما بداخلها من الحرارة الخارجية.

تقول "كنت أبيع الخوص وأدواته المختلفة في سوق الأربعاء في مدينة خانيونس، لكن اليوم لا يوجد طلب عليها من التجار في ظل الأدوات الصينية وغيرها التي تملأ السوق، لكن ثمة فئة من الناس يقطعون مسافات طويلة من محافظات القطاع للوصول لي لشرائها واستخدامها في المنزل، فهم يعودون للأدوات التراثية الفلسطينية القديمة، وأصبح هناك من يجمعون هذه الأدوات كهواية".

‪تعلمت صناعة أدوات الخوص وهي في عمر 15 عاما‬ (الجزيرة)

ورثتها عن والدتها
تعلمت فاطمة صناعة أدوات الخوص وهي في عمر 15 عاما، وورثتها عن والدتها مريم التي كانت تصنعها وتصدر منتجاتها لجميع المدن والقرى الفلسطينية التي احتلت من قبل إسرائيل عام 1948، وكانت أيضا تصدرها مع تجار مصريين كانوا يحضرون لغزة للتبادل التجاري ما بين 1948 حتى عام النكسة 1967.

وتضيف "الفرق بينها وبين الأدوات العادية أنها تتحمل درجات الحرارة ولا تنكسر وخفيفة وصديقة للبيئة ولا تحتوي على مواد مثل البلاستيك والحديد وغيرها، وكان سكان غزة الأصليون الذين يقيمون في حي الشجاعية وحارة الزيتون يحصلون عليها من والدتي ويبيعونها في بلاد الشام وبعض المدن الفلسطينية في الداخل".

‪لديها خمس بنات وولدان رفضوا تعلم المهنة باستثناء فريد‬ (الجزيرة)

رفضت بناتها وتعلمها فريد
لدى اللحام خمس بنات وولدان، جميعهم متزوجون، ولديها منهم ثلاثون حفيدا، يتجمعون عندها فترة الإجازات المدرسية والعطل الأسبوعية ليشاهدوها وهي تصنع الأدوات المنزلية من خوص النخيل، وتحكي لهم حكايات فلسطينية قديمة، بينما رفضت جميع بناتها تعلم صناعة أدوات الخوص منها، لكن نجلها فريد (31 عاما) تعملها منها حتى يحافظ عليها من الاندثار.

لكن فاطمة تعيش في ظروف صعبة هي وزوجها في منزل مهترئ بمنطقة المواصي منذ 45 عاماً، وعاشت سنوات طويلة بالقرب من المستوطنات "مجمع مستوطنات غوش قطيف" المنتشرة في محافظات قطاع غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2005.

وتستذكر قبل الانسحاب عندما قام الجيش بتفتيش كافة منازل الفلسطينيين في المنطقة وإخراجهم على أبواب المنازل لمنع رجم الحجارة التي تلقى عليهم خلال عملية الإخلاء والانسحاب من المستوطنات.

‪يصفها زوجها بأنها نموذج للمرأة الفلسطينية الصامدة‬ (الجزيرة)

"زوجتي نموذج للمرأة الصامدة
داود اللحام (73 عاما) زوج فاطمة كان صانع سجاد في مدية خانيونس، وكان يعمل في الداخل الفلسطيني ما قبل عام 2000 لكنه على إثر الانتفاضة الثانية لم يستطع العودة وأصبح عاطلاً عن العمل، وزوجته هي من تأمن مصاريفهم المنزلية.

يقول "نعيش ظروفا اقتصادية صعبة، لكن زوجتي تحاول جاهدة أن تبيع وتصنع الخوص لزبائنها وتأمن بعض حاجيات المنزل، هي نموذج للمرأة الفلسطينية الصامدة التي تكافح لتحافظ على موروث ثقافي رغم قلة الطلب عليه ولتحافظ على منزلها". 

‪فاطمة تشارك في المعارض الوطنية التراثية مع مؤسسات مجتمع مدني‬ (الجزيرة)

المشاركة بالمعارض التراثية
وتشارك فاطمة في المعارض الوطنية التراثية مع مؤسسات مجتمع مدني خلال يوم المرأة العالمي وفي يوم التراث الفلسطيني وفي ذكريات فلسطينية ومناسبات وطنية، وتجد في تلك المعارض رزقا جيدا لها، وفي الكثير من المرات تتفاجأ أن بعض الشبان لا يعرفون أدوات الخوص، وعليها تتحدث لهم عن هذه الصناعة التراثية وأهميتها في التراث الفلسطيني، خصوصا عند الفلاحين والبدو.

‪صناعة لها أهميتها بالتراث الفلسطيني خصوصاً الفلاحين والبدو‬ (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

منتجات صنعت بأيدي لاجئات فلسطينيات، بإشراف مركز سلافة للتطريز الذي تأسس عام 1950، تنال استحسان الأجانب الذين يبدون الإعجاب بجودتها ودقتها، وتُصدَّر إلى الولايات المتحدة وأستراليا وغيرهما.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة