مريم السكوحي.. عندما يعانق إحساس المرأة أصالة الخط العربي

منيرة حجلاوي_انجذبت مريم لفن الخط العربي منذ نعومة أظافرها_تونس_خاص الجزيرة نت.j
تعتبر مريم نفسها ما زالت في بداية طريقها في اكتشاف أسرار وخفايا الخط العربي (الجزيرة)

 منيرة حجلاوي-تونس

أخرجت من حقيبتها الزهرية اللون نظارتها الطبية، وعلى طاولة خشبية قديمة وزعت أوراقها وأقلامها وحبرها وبدأت تنمق أبياتا للحلاج شاعرها المفضل يقول فيها "قلوب العارفين لها عيون   ترى ما لا يرى للناظرينا".

تنساب أحرف الخط العربي وتتمايل في تناسق مع حركات يدي مريم السكوجي الناعمتين مكونة لوحة فنية قوامها الجمال والدقة والإبداع.

تميل الخطاطة الشابة إلى استعمال الأدوات القديمة من أقلام القصب والحبر والأوراق والتي غالبا ما تصنعها بنفسها لأن "السوق التونسية لا توفر أدوات عالية الجودة".

تعامل أقلامها كأبنائها، تعلم جيدا بأي قلم ستكتب هذا الحرف أو ذاك، لذلك تجويد الأقلام وصقل الأوراق بمنزلة عالية لديها، وفي ذلك يقول قبلة الكتاب الخطاط العراقي ياقوت المستعصمي "إن جودت قلمك جودت خطك، وإن أهملت قلمك أهملت خطك".

‪تكن مريم احتراما كبيرا لهذا لفن الخط العربي‬ (الجزيرة)‪تكن مريم احتراما كبيرا لهذا لفن الخط العربي‬ (الجزيرة)

أسرار وخفايا
عشق هذه الفتاة الشابة لفن الخط العربي لازمها منذ الصغر، فكانت تقوم منذ نعومة أظفارها بما تسميه دورانا داخليا تبحث فيه عن فن يستهويها وتجد فيه ضالتها ويكون مرآة عاكسة لشخصيتها، فجربت الموسيقى والرقص والرسم، ولكن عشق الخط العربي تغلب في النهاية.

تعتبر مريم السكوحي -التي تخصصت في مجال الصحافة- أن انتماءها وهويتها وشخصيتها جميعها يتلخص في الخط العربي، وأنها ما زالت في بداية طريقها في اكتشاف أسراره وخفاياه.

انطلاقتها كانت عصامية اقتصرت على البحث والمشاهدة عبر الإنترنت ومحاولة تقليد أشهر الخطاطين في العالم العربي، لكن مريم (27 سنة) تيقنت أن الأمر ليس بالسهولة التي تصورتها.

منذ خمس سنوات بدأ اهتمامها يتركز على البحث والقراءة والتكوين الأكاديمي ومتابعة كل ما يهم الخط العربي، فالتحقت بالمركز الوطني لفنون الخط بتونس العاصمة وتحصلت على إجازة في هذا المجال.

‪تونس لم تنفتح في السبعينيات على العالم العربي في فن الخط كالعراق وسوريا ومصر‬ (الجزيرة)‪تونس لم تنفتح في السبعينيات على العالم العربي في فن الخط كالعراق وسوريا ومصر‬ (الجزيرة)

عالم مشحون بالجمال
تكن مريم احتراما كبيرا لهذا الفن، كيف لا وهو الذي خط به الكتاب المقدس "القران الكريم"، وهي متعلقة جدا بالحقبة القديمة التي ظهر فيها وبالخطاطين الكبار الذين أفنوا أعمارهم في وضع قواعده لتتمكن أجيال اليوم من تعلمه.

عالم من الأسرار يتسم بجمالية كبرى وميزان وقواعد مضبوطة تكون عالما كبيرا سحر مريم الفتاة، لأنه ببساطة -كما تصفه- "فن يلامس العاطفة والوجدان ولا يمكن حصره على جنس معين، هو عالم مشحون بالجمال يخاطب الروح مباشرة دون استئذان".

ككل علاقة بين عاشقين تمر بفترات مد وجزر، كذلك بالنسبة لمريم والخط العربي تبتعد عن الكتابة عندما تمر بفترات نفسية صعبة حتى تحافظ على متانة عشقها، لكنها وكما تقول "تملأ عينيها بمشاهدة اللوحات وتستنشق رائحة عطر حبرها القديم حتى لا تبتعد كثيرا".

لتستعيد روحها التائهة، تبحث مريم عنها وعن عشقها للخط العربي بين أزقة المدينة العربية (العتيقة) بتونس العاصمة وبين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة المخطوطة على جدران المساجد بشتى أنواع الخطوط العربية من بينها الخط الكوفي والقيرواني.

تفنن وتجويد
خلال الفتوحات الإسلامية الأولى لإفريقية (تونس) وتأسيس مدينة القيروان (50 هجري/670 ميلادي)، كتبت المصاحف وغيرها من الكتب والسجلات بأنواع من الخطوط السائدة حينها في المشرق الإسلامي وأشهرها الخط الحجازي والخط الكوفي البسيط.

ومع استقرار الدولة في القيروان إلى حدود القرن الخامس الهجري/ الـ11 الميلادي، مال الخطاطون إلى التفنن في تجويد أشكال الحروف وفق أساليب محلية بابتكار محسنات ذوقية جديدة، من ذلك مصحف الحاضنة للخطاط الكبير علي الوراق سنة 410 هجري/ 1020 ميلادي.

وفي العهد العثماني أصبح للخطوط المشرقية حضور أقوى ويتجلى ذلك خاصة في المعالم التاريخية في تونس العاصمة، وبقي التفاعل قائما بين الخطوط المشرقية والمغربية المحلية طيلة الحقبتين المرادية والحسينية.

غايات غير ربحية
شاركت مريم في عديد الملتقيات العربية المهتمة بمجال الخط العربي في المغرب ومثلت تونس كمحاضرة وباحثة في هذا الفن، لكنها رغم ذلك لا تعتبر نفسها محترفة، فبالنسبة لها الحرف الواحد يحتاج سنوات لإتقانه.

لا تعتمد الفتاة الشابة الخط العربي مورد رزق، كما أن غايتها منه ليست ربحية بقدر ما هي تقريبه من المواطنين وأن يصبح عادة يومية لديهم، وإخراجه من الصورة النمطية التي رسمت له باعتباره تراثا فحسب.

تبدو مريم متفائلة بالاهتمام الذي يوليه اليوم شباب تونس للخط العربي حتى وإن كان بسيطا، فهي تسعد لمشاهدتهم يكتبون بالخط العربي على الجدران وعلى الأثاث وحتى اللباس، وهو شعور "يبعث فيها نوعا من الأمل".

تحلم مريم بأن تكتب مصحفا بخطها وتتركه للأجيال القادمة (الجزيرة)تحلم مريم بأن تكتب مصحفا بخطها وتتركه للأجيال القادمة (الجزيرة)

غياب الدعم
في منتصف القرن العشرين، برز رائد المدرسة التونسية الحديثة في الخط العربي المرحوم محمد صالح الخماسي (1910-1992) الذي يعتبر نموذج عصره لاجتهاده وإنتاجاته الغزيرة والمتنوعة في فن الخط العربي في تونس.

يرى الخطاط التونسي المعاصر عامر بن جدو المتخصص في الخط الكوفي القيرواني أن الخط العربي في تونس لم يشهد في السبعينيات تطورا كبيرا جراء عدم الانفتاح على الدول العربية الرائدة في هذا المجال، على غرار العراق وسوريا ومصر.

بن جدو -المتحصل على ثلاث جوائز، إحداها وطنية واثنتان دوليتان في الخط العربي- يؤكد للجزيرة نت أن هذا الفن لا يحظى بدعم من السلطة المعنية وأن الخطاطين بحاجة إلى دورات تكوينية في الخارج لتطوير مهاراتهم وتبادل خبراتهم مع أشهر خطاطي العالم العربي.

وفي ظل غياب الدعم فإن مجهودات الخطاطين في تونس تبقى فردية بالأساس عبر طلب المشاركة في الملتقيات الخارجية المهتمة بالخط العربي، كما أنه لا يمكن الاعتماد عليه كمورد رزق في البلاد، حسب المصدر نفسه.

ورغم هذه الصعوبات، فإن مريم تحلم بأن تترك للأجيال القادمة مصحفا تنمقه بأصابعها بالخط العربي القديم (الكوفي والمغربي) وأن يذكر اسمها عليه.

 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Omran Abdullah - من ورشة تذهيب القرآن، الأناضول - إبداع سوري بالخط العربي على الأراضي التركية

يعود اهتمام الأتراك بالخط العربي إلى زمن العثمانيين الذي نقشت فيه آيات القرآن الكريم على المساجد، وبعد تأسيس الجمهورية أصبح الخط العربي عنوان التواصل مع العالم الإسلامي واللغة العثمانية.

Published On 14/2/2019
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة