في رحلة المساواة.. رائدة نسائية تغضب طه حسين والضباط الأحرار

الرائدة النسائية درية شفيق (مواقع التواصل)
الرائدة النسائية درية شفيق (مواقع التواصل)

زهراء مجدي-القاهرة

بررت المناضلة هدى شعراوي في مذكراتها تذمر بعض الرجال من مطالبة المرأة بحقها السياسي، بأن الجميع يتوهم أن غرض المرأة من الحصول على حريتها ومساواتها بالرجل في الحقوق هو الوصول إلى السفور ومزاحمة الرجل في السياسة والعمل، ولكن ظلت الرائدات النسائيات تحملن على أكتافهن وصمات المجتمع الأبوي في سبيل حقوق بديهية.

جاءت درية شفيق بعد هدى شعراوي، فتاة لا تملك شيئًا بعد قامة طويلة، وأصبحت من أوائل النساء اللاتي دخلن الجامعة المصرية، وكان لها موقف نضالي ضد الاستعمار البريطاني وضد الحكومات المتتالية التي لم تنصف المرأة المصرية.

في مذكرات درية التي استخدمتها سينثيا نلسون لكتابة سيرتها الذاتية، تحكي رفض عميد كلية الآداب في جامعة القاهرة تعيينها فور حصولها على درجة الدكتوراه وعودته من فرنسا، لأنه لا يمكنه تحمل مسؤولية تعيين "أستاذة جميلة في الكلية"، وأحزن درية الظلم الشديد الذي وقع عليها لكونها أنثى، فبدأت مبكرًا عملها النسوي بتحرير مجلة "المرأة الجديدة" عام 1936، ثم أسست مجلة "بنت النيل" عام 1945، ثم "اتحاد بنت النيل" عام 1948، ودافعت من خلالها عن قضايا حقوق المرأة وأهمية تعليم الفتيات، والالتحاق بالجامعة.

اقتحام البرلمان.. ماذا لو خرجنا في مظاهرة؟
مع بداية الخمسينيات وبداية الحراك الثوري وظهور الضباط الأحرار، تفاءلت درية، وبدأت تتحدث بلغة سياسية واجتماعية مختلفة، ودخلت المعركة السياسية، فحوّلت "بنت النيل" من حركة لا هدف لها سوى تحرير المرأة البورجوازية، إلى حركة تربط تحرير المرأة بالكفاح السياسي الأعم، فدعت النساء للتصرف وكأن لهن حق الانتخاب، فتختار كل واحدة منهن دائرة، وترشح نفسها فيها لدخول البرلمان.

درية شفيق مع النجمة فاتن حمامة (تواصل اجتماعي)

عادت أوراق الترشح وفيها الرفض لأن الترشح يقتصر على الرجال، وصدرت فتاوى عن علماء دمياط برئاسة الشيخ كمال الحضرة وفيها "التصويت مهين للمرأة ويتعارض وطبيعتها". اتجهت درية لوزير التعليم طه حسين تطالبه بأن يحتج رسميا على رفض ترشيح النساء.

في هذه اللحظة آمنت درية لأول مرة بفكرة الخروج بالاحتجاج إلى الشارع، وكان رأيها أن قضية المرأة لا تقتصر على حقها في الانتخاب، فهي كانت تسعى لتغيير القوانين المدنية التي تحول دون ترشيح المرأة لدخول البرلمان، وكذلك قانون الأحوال الشخصية الذي يسمح بتطليق المرأة وحرمانها من حضانة الأطفال، وكانت تريد إلغاء بيت الطاعة، وإلغاء الإجراءات البوليسية لتطبيق ذلك القانون.

كان أول خروج لدرية خطة لاقتحام البرلمان المصري عصر 19 فبراير/شباط 1951، وذكره محمود قاسم في كتابه "المغتربون"، فتحركت درية من الجامعة الأميركية ومعها 1500 امرأة، وسارت جنوبًا في شارع القصر العيني، واقتحمت بوابة البرلمان، وقادت مظاهرة استمرت لأربع ساعات حتى أخذت من رئيس المجلس وعدًا بالنظر في مطالب المرأة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، نظمت مسيرة نسائية كبرى لدعم المقاومة الشعبية في منطقة القناة، وكان معها من النسويات أمثال سيزا النبراوي وإنجي أفلاطون، وسيدات من حزب الوفد والحزب النسائي المصري.

بفضل هذه المسيرة أمكن لوفد نسائي أن يطالب للمرة الأولى في قاعة البرلمان بحقوق محددة للنساء، ولكن الملك فاروق بعث برسالة لدرية مع زوجها الذي كان يقابله كثيرًا مفادها أن النساء لن ينلن حقوقهن ما دام هو ملكًا.

العابثات.. الوصم شر لا بد منه
وفق تقرير مركز نظرة للدراسات النسوية، اصطدمت آمال النساء في مصر بعد الملكية والمرحلة الثورية بالأفكار الراسخة للسلطة عن المرأة والتحكم في جسدها و"جنسانياتها"، فرغم استخدام السلطة للنساء وتشجيعهن على الوجود في المجال العام من خلال التعليم والعمل، فإنها -من جهة أخرى- أبقت على قوانين الأحوال الشخصية ولم تحظ بنصيبها من التحديث.

درية شفيق في اعتصام في نقابة الصحفيين (مواقع التواصل)

فقد كانت درية متفائلة في بداية حكم الضباط الأحرار، إلا أن آمالها تحطمت على صخرة الواقع عندما تشكلت لجنة الدستور برئاسة علي ماهر لعام 1954 لوضع دستور مصر الجديد، حيث لم تكن بين اللجنة امرأة واحدة.

ذكر الناقد يوسف شعبان قصة درية وطه حسين في كتابه "لماذا تموت الكاتبات كمدا"، فقد قامت درية شفيق ومعها 9 نساء أخريات بالاعتصام بمبنى نقابة الصحفيين، مما أثار غضب الكثير من المناصرين لثورة يوليو/حزيران. كان على رأس المعترضين على اعتصام النساء الدكتور طه حسين، فكتب مقالا لاذعًا يوم 16 مارس/آذار بصحيفة الجمهورية تحت عنوان "العابثات"، وفيه برر رفضه بأن البلاد تمر بمنعطف تاريخي ولا تتحمل هذه القلاقل و"الخزعبلات".

كان هناك في ذلك الوقت من يجرؤ على مهاجمة عميد الأدب العربي، وهما حسين فهمي وعميد الإمام، وعاتباه بشدة على ما كتب ودعواه لاحترام حرية الرأي، ليأتي رد طه حسين بعد مقاله الأول بيومين بمقال "العابثات 2".

ذكرت درية في مذكراتها تلقي زوجها برقيات من هيئات دينية تسخر منه لأنه لم يقو على ضرب زوجته وإعادتها إلى دارها، واتهمتها بعض الصحف بأنها تضرب عن الطعام لمجرد الدعاية وأنها تتناول الطعام سرًا وتأكل "المارون جلاسيه" مع صديقاتها في النقابة، كما اتهمهن البعض بقضاء الليل مع الصحفيين، فثارت الشائعات حول سلوكهن، وقيل عنهن إنهن بلا أخلاق.

كتب أحمد بهاء الدين، وكان شابًا وقتئذ، مقالا بعنوان "الصائمات"، وأيد فيه حق النساء في التعبير عن آرائهن، وإلى جانب عمود بهاء، كتبت درية شفيق مقالا توضح فيه حقها في المطالبة بإحلال حقوق المرأة المصرية في الدستور الجديد.

لم يهدأ طه حسين بعد رد درية، ورفض الكثير موقفه، فأخذه العند لأبعد من ذلك، وكتب مقالا على هيئة رسالة موجهة لرئيس التحرير إحسان عبد القدوس، ولم يذكر في الرسالة اسم درية شفيق أو أحمد بهاء الدين، وأنكرهما، كما أشار إلى أنه "على كاتبة هذا المقال أن تبحث عن كاتب أفضل من الذي كتب لها هذا المقال".

انتحار رائدة نسائية
بالنهاية ساهم إضراب درية بنقابة الصحفيين في إدراج الحقوق النسوية في دستور 1956، ولم تتوقف. ففي مذكراتها "درية شفيق: مصرية طالبت بالمساواة بين الجنسين: امرأة مختلفة"، كانت درية تراهن على قوة تحملها إلى درجة أنها كانت في أوقات تحتج بمفردها، بل أضربت بمفردها عن الطعام في السفارة الهندية عام 1957، معترضة على "دكتاتورية" الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، واحتجاجًا على قيام حكومة الثورة بوضع جميع المنظمات الأهلية المستقلة تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، مما أدى إلى انهيار العمل الأهلي المستقل.

قامت الحكومة وقتئذ بوضعها تحت الإقامة الجبرية لمدة 18 عاما بمنزلها، ومنع اسمها من الظهور في جميع وسائل الإعلام، لتعيش في عزلتها، التي أدت إلى إصابتها باكتئاب حاد حتى انتحرت عام 1975.

المصدر : الجزيرة