الغرباء يرسمون البسمة على وجوه الأمهات بدور الرعاية الأردنية

رولا عصفور- عيد الأم- متطوعات مع غدي عمر في حفل للأمهات في عيد الأم الجزيرة.
متطوعات شابات مع صاحبة المبادرة غدي عمر في حفل للمسنات بمناسبة عيد الأم (الجزيرة)

رولا عصفور-عمان

في مأوى العجزة عشرات الأمهات والعازبات المسنات ينتظرن مع شروق شمس اليوم زيارة قريب محب تأخذهن من الحاضر للماضي، حيث كانت مشاركة الحياة بحلوها ومرها مع العائلة تمنح القوة والأمان.

وفي ظل الشعور المتناقض يأتي غرباء لقضاء بعض الوقت بسماع الحكايات التي تخونها الذاكرة أحيانا، لإدخال السعادة على القلوب الحزينة ورسم البسمة على الوجوه المنهكة.

أميركية تنتظر الزوار
تجلس الأميركية العزباء شارون ماريا بيسو (68 عاما) بعد تناول إفطارها بجوار النافذة المطلة على الحديقة تتأمل العصافير وتنتظر الزوار بابتسامة مشرقة.

رحبت بوجودنا هذا الصباح، وقالت للجزيرة نت "تبنيت في شبابي طفلة وقدمت لها كل الرعاية حتى أصبحت شابة وتزوجت وأنجبت حفيداً، لكن مشاغل الحياة وعملي في محل تملكه عائلة أردنية باعد بيني وبينها، لدرجة أنني لم أعد أعرف عنها شيئا".

حضرت للأردن عام 1997 مع أسرة أردنية تكن لها كل الحب والتقدير، وفوجئت بعد وفاة رب الأسرة بأنه ترك وصية لأبنائه برعايتها حتى وفاتها وعدم إجبارها على العودة لوطنها كي لا تعيش وحيدة.

وتشير شارون إلى أن زيارة الغرباء ومشاركتهم المناسبات، خاصة عيد الأم، تسعدانها، وتثيران لديها الحنين لوالدتها ووطنها، إلا أن كرم العائلة التي تدفع تكاليف إقامتها بدار الرعاية -منذ ثلاث سنوات- يعكس طيبة الشعب الأردني وحسن خلقه وتقديره كبار السن؛ لذا لا تفكر في العودة لبلدها أميركا. 

‪الأميركية شارون ماريا بيسو: تقدير المسن وحسن التعامل معه من أهم أسباب بقائي في الأردن‬ (الجزيرة)
‪الأميركية شارون ماريا بيسو: تقدير المسن وحسن التعامل معه من أهم أسباب بقائي في الأردن‬ (الجزيرة)

فرح المشاركة
تشعر نظمية بالفرح الكبير أثناء مشاركتها في احتفال الغرباء الذين تعتبرهم أشقاء وشقيقات، لكن الحنين للبيت الفارغ بعد وفاة الأب يجعلها تحلم بالعودة له.

نظمية منذ سبع سنوات بدار المسنين، بعدما فشل شقيقها في السيطرة على سلوكها، ويبرر تصرفه للقائمين على الدار بأن أحد أبنائه المصاب بالتوحد وزوجته المريضة هما السبب في إحضار شقيقته للدار بسبب إصابتها بمرض ألزهايمر.

الحديث مع نظمية فيه الكثير من المغالطات، تقول إنها جاءت للدار وحدها بواسطة سيارة أجرة، وأن صديقتها دلال التي تقيم معها هي صاحبة البيت التي تقيم فيه منذ ثلاثة شهور. 

‪كسر الروتين اليومي من أهم الأمور بالنسبة لكبار السن في المناسبات‬ (الجزيرة)
‪كسر الروتين اليومي من أهم الأمور بالنسبة لكبار السن في المناسبات‬ (الجزيرة)

عراقية هاربة من الإرهاب
عن إقامتها في الأردن منذ 12 سنة، تقول العراقية ميري للجزيرة نت "تركت العراق بسبب الخوف من الإرهابيين، وكنت أخطط للبقاء فترة وجيزة، ثم السفر لبريطانيا حيث تقيم شقيقتي".

عاشت ميري عاما في فندق برعاية ابن شقيقها وزوجته (بنت شقيقتها) القادمين من بريطانيا، وبسبب ارتفاع تكاليف الإقامة اقترحت العائلة نقلها لدار الرعاية لحين استكمال أوراقها.

كانت ميري تخرج من الدار دون قيود مع بنت شقيقتها أو بمفردها حتى تعرضت لحادث سيارة جعلها قعيدة الفراش منذ ثلاث سنوات.

وتؤكد ميري أن زيارة الأقارب والغرباء تشعرها بالسعادة والاطمئنان.

مبادرات شبابية
تحرص المبادرات الشبابية والفردية في الأردن على مشاركة المسنين والمسنات في المناسبات بأنشطة إنسانية مختلفة؛ كتقديم الهدايا وطهي الطعام وإطعامهم.

وتكمن أهمية هذه المبادرات -وفق مدير دار الأمل للمسنين ماهر الحسيني- في تحقيق أهداف نبيلة للزائر والمسن، ويقول للجزيرة نت "تتيح الفرصة للزوار الجدد للتعرف على هذه الفئة وطريقة التعامل معها، وتعكس صورة إيجابية للأشخاص الذين يترددون على أماكن رعاية كبار السن، الذين يستمتعون بكسر الروتين اليومي".

وتستقبل الدار الزوار يوميا من العاشرة إلى 12 ظهرا، ويسمح للمبادرات الشبابية بإقامة حفلات الشواء وإعداد الطعام للمسنين والمسنات في أي يوم من أيام السنة، وذلك لأن هذه الزيارات تترك أثرا جميلا في نفوس كبار السن وتمنحهم الفرح والسعادة.

‪ماهر الحسيني: زيارة المسنين في دور الرعاية تمنحهم الشعور بالسعادة وتترك الأثر الجميل في نفوسهم‬ (الجزيرة)
‪ماهر الحسيني: زيارة المسنين في دور الرعاية تمنحهم الشعور بالسعادة وتترك الأثر الجميل في نفوسهم‬ (الجزيرة)

أهمية دور رعاية كبار السن
ويؤكد ماهر -الذي افتتح الدار قبل أكثر من عشرين عاما- أنه يشعر بالفخر والاعتزاز لأن المجتمع الشرقي المغلق أصبح يدرك أهمية وجود دور رعاية المسنين التي تحفظ كرامتهم، وأن أقل الحالات موجودة في الدار بسبب عقوق الأبناء والأغلبية يقيمون في المكان بسبب افتقار الأبناء والأقارب لخبرة التعامل مع كبير السن، خاصة إذا كان عاجزا عن الحركة أو يعاني من أمراض صعبة كألزهايمر.

ويوضح أن المسن العاجز عن الحركة يحتاج لرعاية طبية تكلفتها عالية بالمستشفيات الخاصة؛ فالمرحلة الأولى من ألزهايمر صعبة وتحتاج لخبرة ووعي، فالمصاب يسأل كثيرا ويتحرك دون إدراكه المخاطر؛ مما يُجبر الأهل على اللجوء لمن يقدم لهم المساندة.

‪هيثم يوسف: الإعلام ركز على قسوة الأبناء وعقوقهم في قضية إقامة أحد الأبوين في مركز أو دار للمسنين‬ (الجزيرة)
‪هيثم يوسف: الإعلام ركز على قسوة الأبناء وعقوقهم في قضية إقامة أحد الأبوين في مركز أو دار للمسنين‬ (الجزيرة)

تصحيح المفهوم الفكري
التعامل مع هذه الفئة غيّر مفاهيم أمين عام مجلس الوحدة الإعلامية العربية هيثم يوسف، الذي كان متأثراً بتركيز الإعلام على عقوق الأبناء عند إقامة أحد الأبوين بمركز للمسنين.

وبيّن للجزيرة نت أن بعض الأبناء لا يتوفر لديهم الوقت بسبب سفرهم -مثلا-لرعاية أحد الأبوين، خاصة إذا كان عاجزا عن الحركة، فهذه الأماكن توفر مناخا صحيا للمسن وتحفظ كرامته.

ويحرص هيثم على زيارة المسنين ومشاركتهم الحفلات الجماعية في الأعياد والمناسبات منذ عام 2011 بهدف إسعادهم وسماع حكاياتهم.

ويؤكد أن زيارته بمفرده لكبار السن أصبحت واحدة من عاداته التي تمنحه الشعور بالراحة والرضا، ويفتخر بالأصدقاء والصديقات من كبار السن الذين يفتقدونه إذا انشغل عنهم.

‪غدي عمر: فئة كبار السن من الفئات الأكثر نقاء والأحق بالرعاية‬ (الجزيرة)
‪غدي عمر: فئة كبار السن من الفئات الأكثر نقاء والأحق بالرعاية‬ (الجزيرة)

خدمة أفراد المجتمع
تعرفت المرشدة التربوية غدي عمر من خلال المجموعات التطوعية على أكثر من طريقة لخدمة أفراد المجتمع، لكنها ركزت على الاهتمام بكبار السن كونهم الفئة الأكثر نقاء والأحق بالرعاية.

قررت عام 2012 نشر دعوة على صفحتها بفيسبوك للأقارب والأصدقاء لمشاركة الاحتفال بعيد الأم مع الأمهات المقيمات بأحد مراكز المسنين.

وأشاد الجميع بالدعوة، مبدين رغبتهم في المشاركة، فأعدت كل سيدة طبق طعام، واشترت الهدايا.

تقول غدي للجزيرة نت "أجمل الأوقات نقضيها منذ سنوات في عيد الأم ونحن نغني ونرقص ونتحدث ونأكل الطعام مع كبار السن، نمنحهم الحب ويمنحوننا ابتسامة لا تفارق مخيلتنا".

المصدر : الجزيرة