مراكز تعليمية واجتماعية بتونس لانتشال النساء من براثن الأمية

نسبة الأمية بين النساء التونسيات بلغت نحو 33% (الجزيرة)
نسبة الأمية بين النساء التونسيات بلغت نحو 33% (الجزيرة)

مجدي السعيدي-تونس

ما كادت الخالة مبروكة تنهي جزءا يسيرا من أعمالها المنزلية المضنية حتى ارتدت معطفها وغطت رأسها بوشاح أسود، ثم سارت بين الأزقة الضيقة في المدينة العتيقة بقلب العاصمة تونس حتى وصلت قاعة دروس محو الأمية في المركز الاجتماعي لمحو الأمية وتعليم الكبار الذي تقصده عشرات النساء والفتيات بهدف التخلص من شبح الأمية.
 
ولم تكن مبروكة الجبالي تعتقد يوما أن تحملها قدماها إلى المدرسة لتعلم القراءة والكتابة وقد بلغت من العمر عتيا، إلا أنها تبدو فخورة بالجلوس على مقاعد الدراسة في تلك السن، فهي واحدة من مئات الآلاف من النساء التونسيات اللاتي يعانين من الأمية.

وتقول المرأة البالغة من العمر 63 عاما للجزيرة نت "لم أدخل المدرسة قط بحكم نشأتي في بيئة ريفية، حيث كان التعليم حكرا على الذكور من أبناء العائلات الميسورة، وبعد سنوات طويلة قررت أن أواظب على دروس القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وتعلم مهارات تحت إشراف معلمتنا حميدة عسى أن أخرج من عداد الأميات".

‪هشام بن عبدة: مؤشرات الأمية مرتفعة في تونس على الرغم من جهود الدولة‬ (الجزيرة)

مؤشرات مرتفعة
تنحدر مبروكة من منطقة تبرسق في محافظة باجة، وهي إحدى الجهات ذات المعدلات المرتفعة بمؤشر الأمية بين النساء، حيث بلغت 32% أواخر العام 2018 بحسب تقارير رسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية والمعهد التونسي للإحصاء.

ووسط مركز محو الأمية وتعليم الكبار في منطقة الحفصية بالعاصمة تونس تتردد عشرات النساء والفتيات الأميات لتلقي دروس في القراءة والكتابة والحساب والحاسوب وبعض المهارات الحرفية، وذلك ضمن برنامج شامل تعمل خلاله السلطات على محاربة ظاهرة الأمية التي استفحلت في الأوساط النسائية بتونس.

وتحول تفاقم معدلات الأمية بين النساء خصوصا إلى هاجس يثير قلق الأوساط الاجتماعية والرسمية على حد السواء، ويدفع نحو إيجاد حلول جذرية لمكافحة الظاهرة بإنشاء مراكز لمحو الأمية وتعليم الكبار تستهدف أولئك الذين يجهلون القراءة والكتابة والحساب.

ولا تزال مؤشرات الأمية مرتفعة في تونس على الرغم من جهود الدولة لرفع نسبة التعليم والتشجيع عليه ومحاربة ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة، خاصة في المناطق الأقل حظا من التنمية، بحسب مدير برنامج محو الأمية وتعليم الكبار في وزارة الشؤون الاجتماعية هشام بن عبدة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يعرف بن عبدة الأمية -وفق المؤشرات التي تعتمدها تونس- بأنها "العجز عن القراءة والكتابة والحساب لكل شخص تجاوز من العمر عشر سنوات".

وحسب أرقام رسمية، يعاني 20% من التونسيين من الأمية في العام 2018، غير أن تلك المؤشرات ترتفع بالنسبة للإناث لتصل 37% وذلك على الرغم من مساهمة برنامج محو الأمية وتعليم الكبار خلال السنوات الأولى لانبعاثه في تقليص عدد الأميين في البلاد.

وتشهد مؤشرات الأمية بين النساء في تونس اختلالا واضحا بين الجهات، إذ ترتفع داخل الجهات المحرومة من التنمية والأوساط الهشة اجتماعيا والأشد فقرا، ففي محافظة القيروان -التي تعد الجهة الأكثر فقرا في البلاد- تصل نسبة النساء الأميات إلى ما يقارب 36%، لكنها ترتفع في بعض مناطق المحافظة
لتبلغ 52%.

وتجاوزت نسبة أمية الإناث في محافظات الشمال الغربي 31%، إذ بلغت في جندوبة 32%، وفي الكاف 27%، وفي القصرين 32%.

في المقابل، تنخفض مؤشرات الأمية بين النساء في الجهات الساحلية والعاصمة تونس، إذ لم تتجاوز 10% في تونس و12% في نابل.

ويعود هذا الاختلال إلى الفجوة الكبيرة في التنمية ومستوى العيش باعتبار أن معدلات الأمية تسير بشكل متواز مع معدلات الفقر والحرمان من التنمية وفق مدير برنامج محو الأمية وتعليم الكبار.

‪الكثير من النساء والفتيات الأميات يقصدن مركز محو الأمية وتعليم الكبار في العاصمة تونس‬ (الجزيرة)

مراكز اجتماعية
وتعمل تونس على إحياء مراكز اجتماعية نموذجية لتقليص عدد الأميين، إذ يوجد ما يزيد على 80 مركزا لمحو الأمية وتعليم الكبار في البلاد يقصدها الآلاف من الكهول والنساء ممن يجهلون القراءة والكتابة، ويشرف عليها نحو 1400 مدرس تربية اجتماعية، وذلك بهدف محاربة الأمية.

وتقول حميدة بن غربية -وهي إحدى مدرسات المهارات والحرف في مركز الحفصية لمحو الأمية بالعاصمة تونس- إن عددا كبيرا من النساء يقبلن على برامج تعليم الكبار، كما أن الكثير منهن تعلمن القراءة والكتابة والحساب، كما حصلن على شهادات في تحصيل تلك المهارات.

وإلى جانب بن غربية يشرف ثلاثة معلمين آخرين على تعليم النساء الأميات القراءة والكتابة بمعدل أكثر من 3 حصص في الأسبوع، وذلك في ثلاثة اختصاصات، هي الأبجدة والمهارات والحاسوب.

وفضلا عن الأبعاد المحلية لمحاربة الأمية، نظمت تونس في يناير/كانون الثاني الماضي مؤتمر "اليوم العربي لمحو الأمية" الذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول العربية لتقليل مؤشرات الأمية ورسم سياسة تشاركية لتقليص الظاهرة في أوساط المرأة في العالم العربي.

وتشير تقارير صادرة عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) لعام 2018 إلى أن معدلات الأمية للمرأة في الوطن العربي تناهز 26%، غير أنها ترتفع إلى 60% في عدد من دول المنطقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

انتابت الحاجة خديجة سعادة غامرة وهي تخط بتأن كلمة "صددناكم" من سورة سبأ، حيث كلفت بنسخها في إطار مشروع كتابة المصحف بأيدي نساء استفدن من برنامج محو الأمية بالمغرب.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة