المعتقلات السوريات.. ضحايا بالسجون متهمات في المجتمع

ليلى الأحمد بمنزلها مع زوجها وطفلتهما الصغيرة: كنت سعيدة بخروجي من السجن إلا أن نظرات المجتمع لي اختطفت فرحتي (الجزيرة)
ليلى الأحمد بمنزلها مع زوجها وطفلتهما الصغيرة: كنت سعيدة بخروجي من السجن إلا أن نظرات المجتمع لي اختطفت فرحتي (الجزيرة)

سيلا الوافي-إدلب

تكتظ سجون نظام الرئيس بشار الأسد بالمعتقلات السوريات اللواتي لا ناقة لهن ولا جمل سوى أنهن ساعدن في بعض الأعمال الإغاثية أو طالبن بحريتهن، فكانت الزنازين مقابرهن وسياط الحقد غذاء لأجسادهن.

تحدثت العديد من التقارير على مدار ثماني سنوات مرت على الثورة السورية عن قصص التعذيب التي تعرض لها نساء سوريا في السجون وحجم الانتهاكات بحقهن.

سجون الأسد مقابر للأحياء
لم تكن تدري بسمة العمر -إحدى المعتقلات السابقات لدى نظام الأسد- أنها ستكون إحدى ضحايا عملها الإغاثي بمساعدة المهجرين من مدينة حمص في بداية الثورة، وستتعرض للسجن والتعذيب الوحشي اللذين لم تكن تصدقهما حتى وإن شاهدتهما في أفلام هوليود، وذلك لأن طبيعتها الأنثوية لا تصدق أن أحدا قد يسمح لنفسه بتعذيب امرأة.

اعتقلت بسمة (28 عاما) من إحدى حواجز النظام المنتشرة بقرى ريف دمشق عام 2014، أثناء ذهابها لزيارة عائلتها التي تعيش بدمشق واقتادتها العناصر لفرع الأمن السياسي بتهمة التعامل مع "الإرهابيين".

وصفت بسمة -المعتقلة السابقة في سجون نظام الأسد- للجزيرة نت حجم التعذيب والإرهاب النفسي الذي يتعرض له المعتقلون من قبل عناصر النظام، وتحدثت عن معاناتها وتعرضها لشتى أنواع التعذيب الجسدي والضرب بالعصي الغليظة.

وتابعت أن التعذيب المستمر والمتعدد سبّب لها مشكلة مزمنة في قصبات التنفس، إضافة إلى تعذيب أكثر بشاعة من التعليق والصعق بالكهرباء، ناهيك عن ممارسة التعذيب النفسي والتهديد بالاغتصاب.

وأشارت إلى إجبارها مع غيرها من المعتقلات على مشاهدة الرجال والشيوخ المسنين أثناء تعذيبهم وإهانتهم بالكلام والألفاظ النابية، وإجبارهم على الرقص وأفعال كثيرة لا تستطيع وصفها لفظاعتها.

بسمة العمر في منزلها مع طفليها (الجزيرة)

أساليب متعددة للتعذيب
رغم كثرة القصص المأساوية التي باتت جزءا من الروتين المعتاد في واقعنا فإنني أصاب بالهلع لمجرد تذكري ذاك اليوم في التحقيق، وما تعرضت له من إهانة و"شبحي" لمدة خمس ساعات متواصلة، وكان السجانون يقومون بتعذيبنا بأساليب متعددة، ويتنافسون بينهم باختراع أسلوب أكثر وحشية، كأننا فرائس لحيوانات ضارية.

رأيت الكثير من الظلم لإناث وأطفال لم تتجاوز أعمارهم 16 عاما؛ إحداهن كانت تعمل في فلاحة الأرض لإعالة أهلها، ولم تكن تعرف سبب اعتقالها، وفي إحدى المرات عادت من التحقيق ووجهها محروق إثر رميها بإبريق ماء مغلي.

وبعد شهرين تم نقلي لسجن عدرا المركزي، وعرضت على المحكمة، وبعد أربعة أشهر تم إطلاق سراحي عن طريق واسطة من قِبل بعض المعارف.

ليلى في حديقة منزلها مع طفليها يزن ولمى (الجزيرة)

الأطفال وسيلة ضغط على المعتقلات
ليلى الأحمد من ريف دمشق لم تكن تبلغ من العمر 24 عاما حين اعتقلها النظام من إحدى الحواجز وهي ذاهبة لمعالجة ابنها المصاب بالتهاب الرئة الحاد، وتم اقتيادها لفرع الأمن العسكري بتهمة معالجة جرحى "الإرهابيين"؛ كونها كانت تعمل ممرضة، وتقديم الطعام والإغاثة لهم، إضافة إلى تهريب السلاح، والكثير من التهم الملفقة.

تقول ليلى: بقيت يومين متواصلين في التحقيق وطفلي يزداد وضعه الصحي تدهورا وسوءا وهم يستخدمونه ورقة ضغط لأعترف بتهم لم أرتكبها، وكان المحقق يضع طفلي أمامه على طاولة المكتب ويربت عليه في كل مرة أرفض فيها الاعتراف بأي تهمة موجهة لي.

وفي اليوم الثالث أخذوا طفلي مني وقالوا لي إن عائلتي سوف تأخذه لتزداد معاناتي معاناة في فقده وتعرضي لجميع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي دون مراعاة وضعي بأنني حامل في شهري الرابع.

وتضيف: كنت أتلقى نصيبي من التعذيب مثل الشبح والجلد والصعق بالكهرباء من دون رحمة أو شفقة، كنا نجثو على الأرض -المحقق أمامنا والسجان خلفنا- وفي كل سؤال لا نجيب عنه كان صوت ارتطام الكرباج بأجسادنا هو الذي يجيب تاركا صدى صوته في مسمعي، مما أدى إلى إصابتي بنزف شديد نقلت إثره إلى المشفى.

بعد شهر تم تحويلي إلى سجن عدرا المركزي، لم يكن أحسن حالا من الفرع السابق، ولكن سمح لي بالتحدث إلى عائلتي لإخبارهم بوضعي، وأن باستطاعتهم زيارتي، وبعد رشوة القاضي تم الإفراج عني.

ليلى الأحمد تقوم بواجباتها المنزلية بعد خروجها من السجن (الجزيرة)

فقدان وحنين للأم المعتقلة
تقول "هيام" كنت في 13 من عمري عندما اختفت والدتي بشرى المحمد سنة 2013 أثناء سفرها إلى لبنان لرؤية أبي، وبعد فترة علمنا أنها معتقلة لدى النظام لأنها كانت ممرضة تقوم بمعالجة الجرحى في دركوش (غرب إدلب).

باعتقال أمي وسفر والدي أجبرت على أن أكون الأم والأب لأخويّ الصغيرين اللذين لا تمر ليلة أو يوم إلا ويسألان عن أمي ومتى سنراها. إنها معاناة وألم يومي نعيشه بفقداننا لها ولا تستطيع الكلمات أن تصف حالة العجز والحنين لأمنا، ولكن ما بيدنا حيلة سوى الانتظار، وأن ندعو لها أن تكون سليمة وحية.

معاناة النساء بعد الخروج من السجن
لا تنتهي قصص معاناة المعتقلات اللواتي كتب لهن الخروج سالمات من السجون عند ذلك الحد، بل تعرض بعضهن لقسوة المجتمع ومساهمة المحيط الاجتماعي لهن في تدمير حالتهن النفسية.

تقول بسمة بعد خروجي من السجن ازداد وضعي النفسي والجسدي أيضا تدهورا، وأصبحت أعيش في عزلة عن المجتمع جراء نظرة البعض لي على أنني وصمة عار، ورغم تفهم أهلي للوضع فإنهم قيدوا حريتي بمنعي من العمل والدراسة وإرغامي على ملازمة البيت ومصادرة هاتفي.

تزوجت بعد سبعة أشهر من خروجي من المعتقل، وكان زوجي أكثر الأشخاص تفهما وتقبلا لي، ولم يحاول أن يسألني أي سؤال يجرحني أو يهينني، عكس باقي عائلتي وعائلته، فكان هو الوحيد الذي أخذ بيدي ووقف إلى جانبي وشجعني على الاستمرار والتأقلم لبدء حياة جديدة بعيدا عن أي ذكريات مأساوية مؤلمة.

وتضيف "ليلى" بقدر ما كنت سعيدة بخروجي من السجن، فإن نظرات المجتمع لي كانت تختطف فرحتي، وتضعني في قائمة المتهمات، إلا أن زوجي كان الداعم الوحيد لي وساندني حتى تمكنت من استعادة ثقتي بنفسي.

المصدر : الجزيرة