ماذا كنت ترتدين؟.. حكايات ترويها ضحايا التحرش

ماذا كنت ترتدين؟.. حكايات ترويها ضحايا التحرش

دراسة: الاعتقاد بأن ظاهرة التحرش الجنسي مرتبطة بما ترتديه النساء من ملابس  اعتقاد خاطئ (الجزيرة)
دراسة: الاعتقاد بأن ظاهرة التحرش الجنسي مرتبطة بما ترتديه النساء من ملابس اعتقاد خاطئ (الجزيرة)

زهراء مجدي

"منذ عامين لم أخرج من منزلي وحدي بسبب التحرش، حتى قررت أن أذهب لأصلح حذائي للخروج مع صديقاتي ليلا، فارتديت أطول ملابسي. كنت سعيدة بخروجي ولو لأمتار قليلة، حتى ضربني شاب من خلفي بقوة. سبقني، وسرت خلفه، وفصل بيننا عمال الورش ومنعوني، ورأيته يبتعد وينظر لي ويضحك، لكنها كانت المرة الأولى التي لا ألوم فيها نفسي على ملابسي"، هكذا تحدثت دعاء.

كثيرًا ما ترى المجتمعات العربية أن الفتاة المحجبة والمحتشمة هي التي تسلم من التحرش الجنسي، في حين أن الفتاة المتحررة هي الأكثر عرضة لهذه السلوكيات. فعادة ما يُنسب الاعتداء الجنسي إلى ما ترتديه الأنثى وكيف كان سلوكها، وما كانت تقول، مما يزيد الأذى الذي تتعرض له الفتاة، وتعرضها لمشاكل اجتماعية ونفسية وقانونية متعلقة بقدرتها على رفع قضية تحرش أو اغتصاب، وإذا لم تفعل سيظل يطاردها الإحساس بالذنب على أنها السبب، ولذلك سألنا إناثا بأعمار ومستويات مختلفة "ماذا كنت ترتدين وقت تعرضك للتحرش؟".

هل أنت فلانة بنت فلان؟
"هي ذكرى أحاول نسيانها بلا شك، كنت أعيش في بلدة صغيرة، والجميع يعرف بعضه بعضا، وكنت في ذلك اليوم بعد انتهاء حصصي في مدرستي الابتدائية متوجهة للمنزل، تتبعني رجل قرأ اسمي المكتوب على كراس الرسم الذي كنت أحمله، وسألني هل أنت فلانة بنت فلان؟ فقلت: نعم. فقال لي إن والدي طلب منه اصطحابي للمسجد، وبالفعل ذهبت معه، وأدخلني معه دورة المياه، وخلع ملابسي، وتحرش بي، ثم تركني. بالطبع لم أخبر أهلي بتفاصيل الحادث، لكن أخبرتهم أنه تتبعني، وحاولوا العثور عليه ولكن دون جدوى". وهذه حكاية هناء.

سلوى: لم أتوقع أن أي رجل قد يعتبرني هدفًا له ليتحرش بي ولكن يبدو أني كنت الهدف الأفضل (الجزيرة)

مشغولة ومهمومة وأحمل ابني
"كنت أحمل ابني الصغير على كتفي، وباليد الأخرى كنت أمسك بيد ابنتي الصغيرة، وكنت أحاول التمسك بحقيبة كبيرة أحملها أيضًا. كنت مشغولة ومهمومة، ولم أتوقع أن أي رجل قد يعتبرني هدفًا له ليتحرش بي، ولكن يبدو أني كنت الهدف الأفضل، لأني الهدف الأضعف. ففجأة وأنا أسير على الرصيف، وجدت يدًا تمسك بي من الخلف، لم أستطع الالتفات وقتها كي لا يختل توازني، ولكن رأيته وهو يبتعد أمامي ويروي لي ما يتمنى فعله بجسدي أمام أطفالي". القصة كما روتها سلوى.

تحرش بي وصدمني بالسيارة وهرب
"كان بيني وبين زوجي أقل من 500 متر، قررت أن أقطعها في الشارع المقابل لمنزلي، وكنت دومًا أشعر أنها منطقة آمنة. كعادتي أخشى أن أسير على جانبي الطريق كي لا يتتبعني أحد، فأسير دومًا على الرصيف بين الاتجاهين في منتصف الشارع. بعد سيري خطوات قليلة وجدت سيارة أجرة تتبعني، وبدأ يطلب مني الركوب جواره، ولما تجاهلته بدأ يتفوه بألفاظ جنسية وهو يسير ببطء. قررت أن ألقّنه درسًا بأن أستمر في المشي وعندما أقترب من المقهى أصرخ وأطلب المساعدة من الجالسين، ولكن ما إن وقفت أمام السيارة لأجبره على عدم التحرك وصرخت، حتى صدمني بالسيارة وفرّ هاربًا". حكاية أخرى للتحرش.

"وقفت أمام سيارة الأجرة لأجبره على عدم التحرك وصرخت، لكنه صدمني بالسيارة وفر هاربًا" (الجزيرة)

قصور القانون شريك في الجريمة
يُعَرف التحرش على أنه سلوك متعمد لانتهاك كرامة الفرد وخصوصيته. ويمكن أن يحدث التحرش أمام أفراد آخرين أو في مكان منعزل. ويمكن أن يكون الجاني شخصا مفردا أو مجموعة. ويمكن أن يكون عبر الهاتف أو البريد، وليس فقط وجهًا لوجه. كما تضيف مبادرة "خريطة التحرش" للتعريف بأنه لا يترك هذا السلوك للمتحرش ليقرر ما يعد تحرشًا وما لا يعد كذلك، وأن التحرش لا يحدث بسبب الضحية، لكنه اختيار يتخذه المتحرش عن عمد بغض النظر عن ملابس ضحيته أو سلوكها، ولا يمكن استخدام مظهر الضحية مبررا للتحرش.

يأتي تعريف التحرش الجنسي قاصرًا في معظم القوانين وغير واضح، إلا في قوانين قليلة منها الأميركي والفرنسي والتونسي والتركي. وتجتمع هذه القوانين على تعريف التحرش بأنه "أي سلوك غير مرغوب فيه يقوم على أساس الجنس أو العرق أو الإعاقة أو السن أو الدين أو الميول الجنسية، أو أي خاصية، أو حق يحميه القانون. كما أنه ليس بالضرورة أن يكون السلوك واضحًا للآخرين على أنه تحرش".

رفض الضابط تحرير محضر تحرش
"كنت في طريقي للخروج من محطة المترو، بعد أن وصلت وجهتي. كان المكان حول آلات التذاكر مزدحما نسبيًا، وما إن اقتربت من الخروج حتى شعرت بيد أسفل ظهري تتنقل من اليمين إلى اليسار. للحظة تخيلت أنها غير مقصودة، إلا أني شعرت بها محددة ومتعمدة وقوية، كل ذلك في ثوان، قبل أن ألتفت، وأرى شابا يتحرك من جواري ويتخطى الآلة وينظر لي من الناحية الأخرى وهو يضحك ويغمز"، هذا ما حدث مع دعاء.

وفي بقية القصة "فوجئت بنفسي أصرخ من أجل أن يمسكه أحد، فقد يكون التحرش أمرا يوميا، لكن نظرته المليئة بالاستحقاق والنصر هيّجت غضبي من كل ما حدث لي قبل هذا اليوم. تطوع شاب لصد هذا الفتى الذي أشرت إليه، وقاده معي لغرفة الشرطة، وهناك رفض الضابط أن يحرر محضر تحرش واكتفى بضرب الفتى أمامي. وكانت هذه أول وآخر مرة أفكر فيها بتحرير محضر تحرش".

 دعاء: رفض الضابط أن يحرر محضر تحرش واكتفى بضرب الفتى أمامي (الجزيرة)

الدول العربية الأخطر على المرأة
تحتل الدول العربية والإسلامية مراكز متقدمة في نسب التحرش الجنسي، ووفق تقارير دولية وتحقيق صحفي نشرته صحيفة واشنطن بوست، وآخر لوكالة رويترز عام 2010، كانت مصر من أسوأ دول العالم في نسب التحرش بالنساء، حيث إن أكثر من 99% من المصريات تعرضن لأحد أنواع التحرش الجنسي، واحتلت السعودية المركز الثالث بين الدول العربية، كما تُصنف أفغانستان بوصفها واحدة من أخطر دول العالم على النساء.

دراسة: مظهر المرأة ليس سببًا للتحرش
وأكدت دراسة سوسيولوجية لمؤسسة المركز المصري لحقوق المرأة بعنوان "غيوم في سماء مصر.. التحرش الجنسي من المعاكسات الكلامية حتى الاغتصاب"، أن الغالبية العظمى من عينات الدراسة (النساء المصريات 62.5% والذكور 65,3%) أن المتبرجات هن الأكثر تعرضًا للتحرش.

وكشفت نتائج الدراسة أن المرأة التي ترتدي "بلوزة" (قميصا) قصيرة و"جونلة" (تنورة) وحجابا هي الأكثر تعرضًا للتحرش بنسبة 31%، يليها المرأة التي ترتدي "بلوزة" طويلة وبنطلونا (سروالا) وحجابا بنسبة 21%، ثم المرأة التي ترتدي عباءة وحجابا بنسبة 20%. وهذا يثبت أن الاعتقاد بأن ظاهرة التحرش الجنسي مرتبطة بما ترتديه النساء من ملابس غير محتشمة أو عدم ارتداء الحجاب، هو اعتقاد خاطئ يؤدي إلى زيادة نسبة تعرضها للتحرش.

شهادات لنساء تعرضن للتحرش نشرن تجاربهن (الجزيرة)

"ماذا كانت ترتدي؟".. فكرة تجوب العالم
جاءت فكرة جمع ملابس ضحايا التحرش الجنسي من فكرة معرض "ماذا كانت ترتدي؟"، وهو معرض للملابس التي كانت ترتديها الناجيات من الاعتداء الجنسي، فيعرض ملابس نساء بأعمار متفاوتة كن تعرضن للتحرش في أوقات وأماكن مختلفة.

ويتم تنظيم المعرض بجهود الأمم المتحدة بالتعاون مع سفارات السويد والجمعيات الحقوقية والنسوية في الدولة، وتم تنفيذه بدول عدة منها إثيوبيا وكندا، ضمن حملة تأمل زيادة الوعي الاجتماعي والإشارة للجناة الحقيقيين، وكيف يمكن لنظرة المجتمع وقصور القانون أن يحميا المجرمين.

المصدر : الجزيرة