لباس عروس الجنوب التونسي.. تراث يتمرد على الفستان الأبيض

حياة بن هلال شابات تعرضن اللباس التقليدي لغمراسن بمحافظة تطاوين تونس copy.jpg
عرض للباس التقليدي بمحافظة تطاوين (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

تمشي ببطء بوجه مغطى بغطاء أحمر يسمى" الحِرام" أو "الحولي" مكسوة بحلي مختلفة الأشكال، تكون عادة من الفضة والذهب من أعلى جبينها إلى ركبتيها، ثم تتوقف واضعة يديها المزينة بنقشات الحناء والحرقوس (الحنة السوداء) على وجهها مثقلة بخواتم وأساور تزيدها جمالا.

إنه ليس عرض أزياء تقليدية في أحد الاحتفالات، بل يوم زفاف عروس من الجنوب التونسي. حشد من النسوة يتزاحمن في بيت أهل العروس أتين خصيصا لرؤيتها قبل ذهابها إلى بيت زوجها.

في لحظات تشويق تقف أمها أو إحدى قريباتها لتزيح الغطاء عن وجه العروس التي تغطي وجهها بيديها، وكأنها ستفاجئ الحضور بجمال طالما خبأته عنهم لأشهر قبل الزفاف.

 تعكف هدى (مختصة في خياطة الملية) وسط منزلها الصغير على حياكة وتطريز وابتكار تجديد على هذا النوع من اللباس طيلة اليوم قصد إرضاء طلبات زبوناتها الكثيرات.

تقول هدى إن الإقبال على هذا اللباس لا يمكن أن يقل، فتشبث النسوة في الجنوب بلباسهن كبير، وتعتبرنه خطا أحمر ولا بأس بنوع من التجديد فيه كل سنة، لكن من المستحيل التخلي عنه.

وسط أهازيج غناء شعبي عد خصيصا لتلك اللحظات -كلماته مؤثرة قصد جعل العروس تبكي على فراق أهلها (تبركا)- تزيح يديها عن وجهها ببطء وسط همسات الحاضرات وتقييمهن للبسها ومكياجها، ثم يهرعن لالتقاط الصور.

‪عروس تعرض نقشات الحنة على الحضور‬  عروس تعرض نقشات الحنة على الحضور (الجزيرة)‪عروس تعرض نقشات الحنة على الحضور‬  عروس تعرض نقشات الحنة على الحضور (الجزيرة)

كسر شعبية الفستان الأبيض
رغم جمال الفستان الأبيض ورمزيته في كامل أنحاء العالم فإن قانونه لم يهزم بعد "الملية أو الحِرام " بالنسبة لعرائس الجنوب الشرقي التونسي، فرغم توقهن للباسه، فإن أمهاتهن تعتبرن ذلك تعديا صارخا على العادات والعرف المعمول به منذ قرون خلت.

تقول فاطمة التي تزوجت ابنتها حديثا "ليس هناك أجمل من زينا التقليدي، وأنا أستغرب رفض بعض الشابات لبسه في أجمل يوم في حياتهن" متوجهة ببصرها نحو ابنتها العشرينية حنان وكأنها تعنيها بكلامها.

رفعت حنان رأسها عن هاتفها وقالت مخاطبة أمها "جيلنا مختلف عن جيلكم، ولكل زمن لباسه، وأنا شخصيا أحلم بلبس الفستان الأبيض ولن أرضخ لعادات قديمة بأجمل يوم في حياتي". لوحت فاطمة برأسها مبتسمة فهي تعلم الرأي الذي سيطبق في النهاية.

تسمح الأمهات لبناتهن بلبس الفستان الأبيض في الخطوبة فقط، أما ليلة الزفاف فتلك مقدسة بالنسبة لهن، ولا يليق بها غير ثوبهن الأصلي المطرز، حسب موضة تبتكرنها كل سنة مع الحفاظ على أصل اللباس وطريقته مع بعض التجديد، سواء في التطريز أو الخياطة.

تقضي الأمهات في إعداد مكونات كسوة العروس شهورا قبل يوم الزفاف إضافة إلى تجميع الحلي (إكسسوارات من ذهب وفضة) منذ بداية بلوغ بناتهن، ويتنافسن بل ويتباهين بكمية وجودة وجمال الحلي يوم الزفاف.

‪اللباس التقليدي احتفالا باليوم الوطني في محافظة تطاوين‬ اللباس التقليدي احتفالا باليوم الوطني في محافظة تطاوين (الجزيرة)‪اللباس التقليدي احتفالا باليوم الوطني في محافظة تطاوين‬ اللباس التقليدي احتفالا باليوم الوطني في محافظة تطاوين (الجزيرة)

انفراد وجمال
تنفرد العرائس في الجنوب بهذا اللباس على عكس بقية مناطق البلاد التي يختلف تقليدها من جهة إلى أخرى، وتتمثل "كسوة" العروس الجنوبية في حولي أو حرام أحمر اللون، بشكل مستطيل مطرز بألوان مختلفة حسب ذوق العروس وحسب الموضة التي تتبعها النسوة هنا.

ترتدي العروس ثوبها الأحمر ليلة زفافها مع الكثير من الحلي المتعدد الأشكال والأسماء، فنجد "الريحانة" (قطعة ذهبية في شكل يد) والقلادة المتكونة من مجموعة ريحانات وبعض قطع المرجان وغيرها من القطع الفضية والذهبية الضرورية في جهاز العروس مهما كان مستوى أسرتها الاجتماعي.

ومن المستحيل أن تغادر شابة بيت أهلها دون أخذ تلك الإكسسوارات باهظة الثمن.

‪إحدى المناسبات الوطنية‬  إحدى المناسبات الوطنية (الجزيرة)‪إحدى المناسبات الوطنية‬  إحدى المناسبات الوطنية (الجزيرة)

صمود وبقاء
رغم تراجع اللباس التقليدي التونسي كلباس يومي لدى الأجيال الجديدة فإنه لا يزال صامدا منذ قرون مع بعض التجديد والابتكار فيه، ويزاحم بذلك الموضة على ممرات عروض الأزياء وفي الحفلات الخاصة.

غالبية اللباس التقليدي التونسي تعود أصوله إلى أصول عربية مثل السفساري (عباءة تونسية بيضاء) والجبة ونجد منها الأمازيغية كالبرنس، إضافة إلى التركية منها على غرار الشاشية.

ويتم الاحتفال باليوم الوطني للباس التقليدي في 16 مارس/آذار من كل سنة للتعريف أكثر به وغرس ضرورة التشبث به لدى الناشئة فضلا عن توثيق عنصر اللباس بمعهد التراث.

وبحسب عماد صولة المختص بالتراث فلا خوف من اندثار اللباس التقليدي التونسي ما دام يستغل اليوم في مجال الموضة لدى الشباب، وتلك إشارة جيدة تدل على تمسك التونسي بأصالته مع بعض التجديد.

المصدر : الجزيرة