كريستين.. متقاعدة فرنسية تتطوع لصالح اللاجئين

عمار خصاونة-فرنسا

في غيابة الجب الأوروبي تضمحل أحلام بعض اللاجئين بادئ الأمر، ويغمر الخوف قلوب آخرين. خوف مغاير للمعهود، فلا اللغة لغتهم، ولا حتى المجتمع مجتمعهم، شعور منطقي يراود الكثير حال وصولهم إلى هذه البلاد، لكن كل هذه المشاعر تندثر بوجود أشخاص مثل "كريستين".

في إحدى القرى جنوب فرنسا، وفي منزل إحدى العائلات السورية اللاجئة، وعلى طاولة بيضاوية تغطيها أطباق الطعام السوري، تجلس العائلة في مأدبة تحضرها فرنسية في نهاية خمسينياتها.

المدرّسة المتقاعدة، تقول للجزيرة نت إنها بدأت منذ بضعة أعوام العمل متطوعة مع اللاجئين، فهي تعلم حجم معاناة الشخص عند وصوله إلى بلد لا يعرف لغته ولا طبيعته ولا يعرف فيه أحدا، وخصوصا أن فرنسا تعتمد على العمل بالأوراق بشكل كبير وإجراءاتها الإدارية متعبة وغير سهلة.

بدأت كريستين نشاطها في التطوع بإحدى الجمعيات المحلية مع مواطنين متقاعدين أخذوا على عاتقهم تعليم لغتهم للاجئين، وهناك التقت بالعديد من العائلات وخصوصا تلك التي تواجه بعض المشاكل كالمدارس والسكن والإجراءات الإدارية.

تقول كريستين إنها لم تكن لتفعل هذا كله لولا مساعدة الآخرين لها وفي مقدمتهم زوجها الذي يعمل بإحدى المدارس الثانوية العامة في المنطقة، وبعض الأشخاص الذين تعرفت عليهم ويساعدونها في تعبئة بعض الأوراق للاجئين أو مرافقتهم في بعض المواعيد، أو تأمين سكن لمن يصعب في وضعه الحصول على سكن مثل الطلاب.

عبد الرحمن الخطيب (42 عاما) الذي التقينا كريستين في منزله، وهو حديث عهد بفرنسا التي وصلها قبل نحو عام، يقول للجزيرة نت إنه تعرف عليها خلال حصة لتعلم الفرنسية في جمعية لمتطوعين من المتقاعدين، وأوضح أن كريستين بادرت إلى زيارتهم والاستماع لأحوالهم والمضي بما تستطيع مساعدتهم به.

الخطيب يخوض منذ عام التجربة ساعيا للاندماج بالمجتمع الفرنسي (الجزيرة)

لم تخفِ عينا الخطيب سروره الداخلي أثناء حديثه عن مساع تلك المرأة معهم، حيث قامت كريستين بتأمين متطوعة فرنسية لإعطائهم دروسا أسبوعية في منزلهم، نظرا لصعوبة المواصلات بين قريتهم والمدينة حيث مقر الجمعية.

وبسبب وضع مكان إقامتهم الريفي والذي يكاد يخلو من خدمة المواصلات العامة المنتظمة، بدأت معاناة الابن الأكبر للعائلة.

يقول عبد الرحمن أن ابنه الأكبر (19 عاما) كان بحاجة لأن يكون بعاصمة المقاطعة تولوز، حيث يخضع لدورة لغة فرنسية تحضيرية لاستكمال دراسته الجامعية، لكن صعوبة المواصلات جعلته يمضي أكثر من ثلاث ساعات يومية متنقلا بعدة وسائل مواصلات، مع ما يرافق ذلك من إرهاق وتعب.

هنا جاء دور كريستين التي سعت لتأمين سكن لابن عبد الرحمن، غير أن توفير السكن لم ينه المشكلة، حيث في هذا البلد لا بد من توفر كفيل للاستئجار وهو أمر جد صعب، لكن كريستين نجحت في تأمين كفالة لذلك الشاب.

في منزل آخر ذي طابقين على الطراز الفرنسي، وفي غرفة تعرف من النظرة الأولى أنها غرفة للدراسة، كان هناك السوري معاذ (23 عاما) يجلس على طاولة دراسته ليروي للجزيرة نت قصة معاناة عنوانها "البكالوريا حلم مستحيل".

يقول معاذ "لقد كنت في الصف الثالث الثانوي وأستعد لخوض امتحانات الشهادة الثانوية حينما اضطررت مع أهلي للجوء إلى الأردن، هناك أصرت مديريات التعليم على أن أعود للصف الثاني الثانوي، ولم أمتلك خيارا آخر، فدرست ذلك الصف من جديد في حين أن زملائي كانوا يخوضون مغامرة أول سنة في الجامعة".

لم يتسن لهذا الشاب مواكبة أصدقائه ومن هم في سنه، لكن تصميمه على المضي نحو مستقبله كان كافيا له كسلاح يجابه به كل العوائق أمامه، لكن فرصته لم تكتمل حينما وصل مرحلة امتحانات الشهادة الثانوية، حيث تم تحديد موعد سفرهم من أجل إعادة التوطين في فرنسا خلال أيام الامتحانات النهائية.

لم يكن أمامه سوى الإسراع بطلب كشف علاماته للمواد التي أتمها والتي لم يتبق منها سوى اللغة الإنجليزية علها تكون عونا له في إتمام حصوله على الشهادة الثانوية في الوقت الذي قارب فيه أصدقاؤه على التخرج من الجامعة.

تصميم معاذ سلاح جابه به العوائق (الجزيرة)

في فرنسا وقبل عامين ونصف العام من الآن، تفاجأ معاذ برفض الثانوية العامة في مدينة استقباله لكبر سنه، هنا كانت الصدمة التي لم تدم طويلا، حيث تعرف على كريستين في مقر "جمعية تعليم الفرنسية" حيث تأثرت تلك المرأة بقصته، لتنكب على مساعدته مع زوجها الذي يعمل بإحدى الثانويات العامة في مدينة مجاورة.

نجحت كريستين في تسجيل معاذ في الثانوية كطالب مستمع لتطوير الفرنسية، كما قدمت المدرسة طلبا إلى الجامعة لإقناعها بأن نجح في الشهادة الثانوية سوى مادة الإنجليزية التي لا تعتبر أساسية في امتحان البكالوريا بفرنسا.

ولقي طلب الثانوية قبولا من الجامعة، وحصل معاذ أخيرا على بطاقة الطالب الجامعي أنهت معاناة عبرت معه الحدود.

المصدر : الجزيرة