اضطرتهن الظروف للابتعاد عن دفء الأسرة.. قصة ثلاث مستقلات

ظروف الدراسة والعمل تقود بعض الفتيات أحيانا إلى العيش بعيدا عن كنف الأهل (رويترز)
ظروف الدراسة والعمل تقود بعض الفتيات أحيانا إلى العيش بعيدا عن كنف الأهل (رويترز)

شيماء عبد الله-القاهرة

عادة ما ترفض المجتمعات العربية استقلال الفتيات، وعندما تضطرهن ظروف مهنية أو دراسية خارجة عن إرادتهن للعيش بعيدا عن دفء الأسرة فإنهن يواجهن عراقيل وقيودا كثيرة، فلا يعرف من حولهن حجم معاناتهن.

لا تمثل الاستقلالية مرادفا لرفاهية الحياة المثالية للفتاة كما تراها الأسر المحافظة، وهنا يكمن الاختلاف بشأن الموضوع، لكن الاختيارات المُرة دائماً تضع البعض أمام تحديات لم يضعوها يوماً في الحسبان.

في هذا التقرير نرصد قصص ثلاث فتيات مصريات قادتهن ظروف مختلفة لخوض تجربة العيش بعيدا عن أهلهن، فطورت كل واحدة أسلوبها الخاص في التعاطي مع هذا المسار الجديد.

قصة يسرا
يسرا محسن فتاة مصرية بدأت الحياة بعيدا عن أهلها أواخر ديسمبر/كانون الأول 2017، في شتاء بارد لم يكن الأقسى على جسدها النحيل.. تذكرت أيامها الأخيرة في منزل عائلتها الدافئ، كيف ومتى قررت أن تخطو خطوتها الأولى نحو العالم، متى استعادت نفسها، ثم هدأت واستكانت لتبدأ من جديد رحلة يسرا الجديدة.

ذكريات سريعة مرت بخاطر يسرا كشريط السينما، مرت شهور على قرارها، اضطرتها الظروف للتنقل بين ثلاثة منازل، وهي الفتاة التي لم تخرج من منزل عائلتها يوماً: الأول كان منزل صديقة مقربة وداعمة، أكبر في العمر والتجربة، لم تتركها حتى استقرت في أولى تجاربها المستقلة، كانت شقة تشاركها فيها فتاتان أخريان.. ألف جنيه مقابل غرفة في شقة بوسط البلد.. هذه فرصة.. إيجار تتحمل دفعه من راتبها بعد استقرارها بعمل دائم كمصممة غرافيك في إحدى الشركات، لكنها لم تتحمل طويلا رفقة غير مريحة، وشقة متهالكة، وعذابات مستمرة.

في المرة الثالثة، انتقلت يسرا إلى حيث بدأت تتحقق الأمنيات.. مالت الأمور نحو الاستقرار.. غرفة جديدة بشقة أفضل، وجيران جدد لا يتدخلون فيما لا يعنيهم.

تواجه يسرا نوعاً آخر من المسؤوليات الجديدة، كسداد فواتير الكهرباء والماء التي جعلتها ترشد استهلاكها منهما.. تقول "أصبحت أقتصد في مصاريف طعامي، الملابس الرخيصة، أما الأحذية والحقائب فقد حافظت على أن يكونا من العلامات الشهيرة، ليس نوعا من التعالي، ولكن كي يستمرا معي لمدة أطول".

‪يسرا قررت ترشيد نفقاتها من الطعام والكهرباء والملابس مقابل استقلالها‬ (الجزيرة)

مسؤوليات صعبة
أما "نهاد" فقد اختارت الابتعاد لأجل العمل، فامتهان الصحافة ليس أمرا سهلا، وقررت الاستقلال بعيدا عن أسرتها، لكنها حافظت على علاقتها بأسرتها دون خلافات.

في الإجازات تمنح نهاد وقتها لعائلتها، لكن معاناتها مختلفة مع الجيران، في حين استطاعت يسرا التأقلم مع المنطقة التي تعيش فيها ومنع أي شخص من الخوض معها فيما لا ترغب فيه.

فشلت نهاد في وضع تلك الحدود، فاضطرتها الظروف مجددا لأن تبتعد عن المشاكل وتغادر غرفتها المستقلة في حي روض الفرج الشعبي، لتبحث عن أخرى في حي الدقي.

تستعين نهاد بالاستغناء عن بعض الاحتياجات كي تكمل ضروريات حياتها، وأضحت تبتعد عن التنزه، ولا تعرف طريقا إلا إلى العمل الذي تغير لأكثر من مرة، وامتنعت عن الأكل في المطاعم، فتعلمت كيف تطهو.. البيض والمعكرونة هما رفيقاها في الأيام الصعبة، وفي البرد القارس تستعين بشربة العدس كطعام وشراب، وتعلمت مبادئ الكهرباء والسباكة والنجارة، وكيف تعتمد على ذراعها في كل شيء و"كثيرا ما أشعر بالتعب، لكن ما بدأته لا أستطيع إيقافه لأي سبب من الأسباب".

‪استقلالية الفتيات ليست دائما خيارا شخصيا وإنما لدواع مهنية‬ (رويترز)

مساعدة الوالد
كانت الثورة سبباً في تغيير كثير من المفاهيم الاجتماعية الموروثة، فقد نجحت في أن تمتد لعائلة فاطمة، الفتاة التي قدمت من الصعيد لأجل الدراسة، فعاشت في المدينة الجامعية، وبعد انتهاء الدراسة بكلية الطب البيطري في القاهرة، نجحت بمساعدة والدها في الاستقرار بالعاصمة.. لم يكن حلمها أن تعود إلى قريتها لتعمل كطبيبة بيطرية، فأضحت معيدة بالجامعة التي تخرجت فيها.

"أبي لم يكن متعلماً، وأدين له  بكل ما حققت في حياتي.. أمي لم تكن توافق على ابتعادي عنها، وكانت تستعجل عودتي لتفرح بي كما كانت ترجو، لكن أبي أراد أن يفرح بي على طريقتي وقد كان".. ساندها أبوها رغم الصعوبات، وتقول "عشت في القاهرة في أصعب أيامها وأيامي، تلك التي تلت ثورة يناير وما تلاها من أحداث".

بعد التخرج، صرح لها والدها بأنه عليها أن تعرف أنها ربما لن تعود مرة أخرى إلى قريتهم في أسيوط، فعليها أن تستعد للعيش في القاهرة إلى الأبد، وهو سيؤمّن لها ما يدعمها كبداية.. شقة مستقلة في ضاحية هادئة بالقاهرة، كُتب عقدها باسم الابنة الوحيدة.. هذا نصيبها من الإرث الذي لا يضمن والدها حصولها عليه بعد وفاته.. تقول فاطمة إن "الصعيد مختلف عن القاهرة والحضر، مختلف في كل شيء، وأنا كنت مثله مختلفة، لذلك لم أستطع أبدا أن أتقبل العودة مرة أخرى إلى هناك".

والد فاطمة ينتسب إلى التقاليد الصعيدية التي تعد أكثر صرامة من قوانين الدول، لكنه دعم ابنته للعمل في العاصمة، ومنحها الثقة لتبدأ مستقبلها العملي، فردت له الفضل بنجاح حتى أصبحت أستاذة جامعية في مجالها، على غير كثير من الأسر التي تكتفي لبناتها بالدراسة في الكليات العملية للحصول على شهادة جامعية مرموقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كشف موقع “إنسايدر” الأميركي عن خدمة موجودة داخل تطبيق “أبشر” بالسعودية تمكّن ولي أمر الفتاة، سواء كان والدها أو زوجها أو شقيقها، من تتبع حركتها وتعقبها إذا قررت الفرار.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة