بينما يجلس الرجال في المقاهي.. النساء بطلات الذهب الأخضر

بينما يجلس الرجال في المقاهي.. النساء بطلات الذهب الأخضر

النساء ينقذن موسم جني الزيتون أمام عزوف الشباب (الجزيرة)
النساء ينقذن موسم جني الزيتون أمام عزوف الشباب (الجزيرة)

ناجح الزغدودي-القيروان

تتشابك الأيادي الناعمة القابضة على المشط مع الأغصان الغضة الحبلى بحبات سمراء تتراقص تحت الشمس كأنها حبات لؤلؤ سوداء. وتتطاول النسوة مع قامات أشجار الزيتون الباسقة بريف القيروان وسط تونس.

ظهور منحنية ووقع أقدام وأياد تتسلق الزيتونة وتداعب أغصانها صعودا ونزولا كأنهن في سباق. فتنهمر حبات الزيتون في إيقاع أشبه بإيقاع المطر فيقطع صمت المكان ويعلو فوق وشوشة إبريق الشاي فوق الجمر.

مع بداية موسم جني الزيتون مدة ستة أشهر (بين أكتوبر/تشرين الأول ومارس/آذار) تغير الأربعينية عائشة سفينة نشاطها كعاملة فلاحية من قطف الفلفل الأخضر إلى جني الزيتون مثل كثيرين.

مع طلوع شمس الشتاء المحتشمة ونشرها خيوطها الشفافة على أشجار الزيتون، يبدأ يوم جني الزيتون الشاق المشوق. تسابقها عائشة رفقة باقي العاملات على ظهر شاحنة تشق فلول الظلام وغابات الزيتون.

يستقبل صاحب الضيعة العاملات بتحية صباح مختصرة ودعوة ملحة إلى ملء الأكياس الفارغة بحبات الزيتون التي يستعجل نقلها إلى المعصرة ليقبض ثمنها أو ثمن زيتها قبل غروب الشمس.

اليد العاملة النسائية تنقذ موسم جني الزيتون بنصف الأجر (الجزيرة)

يقطفن الذهب الأخضر
تساهم محافظة القيروان بنسبة كبيرة في إنتاج زيت الزيتون وتصديره إلى الاتحاد الأوروبي. وقدرت صابة هذا العام بحوالي 17 ألف طن من مجموع 160 ألفا على صعيد وطني باحتلال المرتبة الاولى.

وتتوقع الحكومة تحقيق عائدات بألفي مليون دينار (حوالي ستمئة مليون دولار) على غرار العام الماضي. وتحتل البلاد المركز الثاني عالميا بإنتاج نحو 270 ألف طن من الزيت بفضل جودته العالية.

في القيروان يحتاج جني 82 ألف طن من الزيتون إلى اليد العاملة. وأمام عزوف الشباب ووصفهم الأجرة اليومية بالضعيفة (بين خمسة وثمانية دولارات باليوم) يلجأ الفلاحون إلى استجلاب النساء مقابل نصف أجرة الرجال.

أعلى درجات السلم المعدني المطل على قمة شجرة الزيتون، تقف عائشة بيد ممسكة بمشط شبيه بأصابع الأيدي لإسقاط حبات الزيتون، وتمسك باليد الاخرى غصنا يحميها من السقوط وهي تتمايل يمنة ويسرة.

يتوزع نشاط النساء حول الزيتونة الواحدة وفق أدوار متعارف عليها. تصعد ثلاث نساء السلم ذا المدرجين المتناظرين الواقفين بينما تقوم ثلاث نساء أخريات بالعمل أسفل الشجرة ويشتركن في ملء الأكياس بالحبات السوداء.  

بين إيقاع تساقط حبات الزيتون وحفيف أوراق الشجر واحتكاك المشط بالأغصان، يبدو فؤاد عائشة فارغا وهي تفكر بأطفالها الذين تركتهم فجرا نائمين وهي تستعجل اللحاق بشاحنة النقل التي لا تنتظر.

استراحة الغداء خبز مغمس بعرق الجبين والكرامة (الجزيرة)

إبريق الشاي يقطع العمل الشاق
تمر ساعات العمل ثقيلة على النسوة وهن منحنيات الظهور يلتقطن الزيتون الواقع على البساط الأخضر حول الشجرة وجمعه في أكياس. يتنقلن في حركات دائرية صعودا ونزولا حول خاصرة الزيتونة كأنهن يحضنها.

تقطع النسوة وتيرة ساعات العمل الشاقة باستراحة شاي ساخن يؤنسهن وينشغلن به عن أثر التعب والانشغال بالعائلة. وبين رشفات الشاي تسترق النسوة النظر إلى حجم ما أنجزن من عمل وما ينتظرهن إلى المساء. 

أول قدح من الشاي من نصيب صاحب الضيعة الذي ينتظره على أحر من الجمر مثلما ينتظر امتلاء الاكياس وهو يراقبهن. فيفتح الشاي شهية الثرثرة حول تراجع الصابة وتدني أسعار الزيتون ومشاكل المعصرة كأنه ينافسهن في معاناتهن.

شجرة الزيتون والمرأة قسمات وشموخ مشترك (الجزيرة)

الرجال بالمقاهي ينتظرون
فترة الغداء القصيرة، وعند انتصاف النهار، يطول فيها سرد النسوة لقصص وأساطير وتفاصيل التجاعيد التي رسمت على وجوههن. فيتقاسمن الأرغفة الخالية من دسم اللحوم يغمسنها بلحظات المرح والمزاح كأنهن أميرات.  

مثل باقي النسوة تعمل عائشة في سبيل توفير قوت أولادها الثلاثة وفواتير الكهرباء والماء. آخر النهار تحمل الدنانير القليلة التي تقبضها لشراء الحليب والبيض أو الحفاظات التي يرتفع ثمنها باستمرار ويعجز زوجها عن توفيرها.  

بينما تضطر كثير من العاملات مع عائشة إلى العمل رغم تجاوزهن الستين (سن التقاعد) في ظل عدم قدرة أبنائهن على العمل أو بطالة أزواجهن أو لامتناعهم عن العمل بأجور زهيدة في العمل الفلاحي.

تقبل النساء على العمل في المزارع بأجر متدن مكرهات أمام رفض الرجال، ويجلس أزواجهن أو آباؤهن أو أبناؤهن على أرصفة المقاهي ثم يغتصبون منهن مصروفهم وثمن السجائر والشاي.

 أما زميلتها جميلة، فقد بحث أبناؤها عن شغل دون جدوى، نظرا لأن فرص التوظيف في المؤسسات العمومية والصناعية بمحافظة القيروان ذات نسبة البطالة العالية معدومة، بينما يتأففون من العمل معها في حقول الزيتون. 

.. وتحد للظروف الصعبة (الجزيرة)

النشاط الزراعي جهد نسائي
وتمثل نسبة نشاط المرأة الريفية في القطاع الفلاحي 65% حسب رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالقيروان المولدي الرمضاني الذي يؤكد أن النشاط الزراعي "يرتكز أساسا على جهد النساء". 

ويصنف عادة عمل النساء في القطاع الفلاحي من قبل المنظمات الحقوقية والاجتماعية ضمن الأعمال الهشة الذي لا يخضع للمراقبة المهنية من الحكومة، ولا تتمتع النساء بالتغطية الاجتماعية ونظام التقاعد.

لا تقتصر متاعب النسوة على ساعات العمل الشاقة، بل تبدأ منذ الصباح بالظروف غير الإنسانية في نقلهن من مساكنهن إلى الضيعة. ليعاد نقلهن على ظهر الصندوق الخلفي المكشوف للشاحنات كأنهن قطيع ماعز دون تأمين.

الذهب الأخضر مصدر موارد الدولة والفقراء (الجزيرة)

معرضات لانتهاك حقوقهن
سجلت لسنوات حوادث قاتلة نتج عنها وفيات عاملات أثناء نقلهن في طريق الذهاب إلى الحقول أو العودة منها. ولم تفلح حملات الدفاع عن حقوق المرأة ووضعها الاقتصادي والاجتماعي في تحسين الوضع. 

تقر المندوبة الجهوية للمرأة والأسرة والطفولة بمحافظة القيروان أنيسة السعيدي بأن "الفلاحات معرضات إلى الانتهاك على مستوى التفاوت في الأجور والنقل غير الآمن" داعية إلى أهمية إشعار أصحاب المزارع بذلك.

آخر يوم عمل يحمل مالك الضيعة أكياس الزيتون التي ملأتها النسوة إلى المعصرة ليحوّلها إلى زيت ذهبي سعره بين ثلاثة وأربعة دولارات للتر الواحد تصدر منه كميات سائبة للخارج، ويتم تعليب كميات بمصانع محلية قبل تسويقه بأثمان مضاعفة.

حبات الزيتون تنهمر على البساط قبل توجيهها للمعصرة (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة