طفلة فلسطينية بالأحشاء وتنتظر الحرية.. بعد ربع قرن من رسالة والدها الأسير

صورة نشرتها سناء سلامة زوجة الأسير وليد دقة تظهر وضعية الجنين "ميلاد" وحذاء ابتاعته له على فيسبوك (الجزيرة)
صورة نشرتها سناء سلامة زوجة الأسير وليد دقة تظهر وضعية الجنين "ميلاد" وحذاء ابتاعته له على فيسبوك (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

"سأصبح أما رغما عن الاحتلال، وسترى ميلاد وليد دقة النور بعد شهرين، وستكون ابنة أبيها" بضع كلمات بسيطة في المعنى لكن وقعها كبير على الأرض، خاصة أنها تأتي بعد عشرين عاما من زواج لفه الخوف منذ اليوم الأول، وكان اللقاء أبسط أحلام الزوجين.

على جدارها في صفحة فيسبوك خطت سناء هذه الكلمات لتخبر متابعيها أنها قريبا سترزق بفتاتها البكر "ميلاد"، وأن والد هذه الطفلة هو الأسير الفلسطيني وليد دقة الذي يعتقله الاحتلال منذ 34 عاما ويحرمه اللقاء بزوجته والإنجاب منها.

وكأي زوجين راود حلم الإنجاب وليد وسناء، وظنا لوهلة أنهما سينالان حقهما في ذلك كأي مواطنين يعيشان في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 ويحملان الجنسية الإسرائيلية، لكن ظنهما لم يكن في محله، فالاحتلال رفض "الخلوة الشرعية" لهما "لاعتبارات أمنية".

لم يستسلم وليد وسناء لصلف الاحتلال وعنجهيته، وحاولا بكل الطرق تحقيق حلمهما والبحث عن الحرية على طريقتهما، إلى أن نجح الأسير دقة بتهريب "نطفه" وإحداث تخصيب وحمل لدى زوجته كما يفعل عشرات الأسرى الفلسطينيين، خاصة المحكومين لسنوات كثيرة.

‪سناء سلامة‬ (وسط)(الجزيرة)

انتصار الإرادة
كما لم يكن سهلا على الزوجين اللجوء لمثل هذا الأمر فإنه لم يكن لديهما متسع من الوقت لمزيد من التفكير، فالعمر يجري وتعقيدات الاحتلال تزداد كل يوم بحق الأسير دقة الذي يصطاد له السجان أي زلة ليحوله إلى الغرف المعتمة والعزل الانفرادي كما حدث معه بعد إصداره روايته الأخيرة "حكاية سر الزيت".

أفضت المعرفة المسبقة لدى سناء سلامة بزوجها وليد من خلال العمل معا لسنوات إلى الارتباط به، ولم تستسلم لقدرها وظلت لأكثر من 12 عاما من المداولات في المحاكم الإسرائيلية للسماح لها بالإنجاب من وليد، تماما كما تفعل إسرائيل مع نظرائه السجناء ممن يحملون جنسيتها.

‪صورة نشرتها سناء سلامة على صفحتها قالت إنها أعادت نشرها في ذكرى عقد قرانها مع وليد في سجن عسقلان‬ (الجزيرة)

"حكاية سر الزيت"
لم يكن سهلا على الاحتلال أن يسمح لوليد بالإنجاب، فهو يخشى مجرد كلماته وروايات الخيال التي يكتبها، ولا سيما "حكاية سر الزيت"، و"الزمن الموازي"، و"صهر الوعي" والذي يدرس في الجامعات الفلسطينية ويعالج واقع الأسرى ومعاناتهم، فوليد اشتهر روائيا وكاتبا فلسطينيا لمؤلفات كثيرة أعدها في عتمة الزنازين.

ولأجل ذلك عوقب أكثر من مرة داخل معتقله بالعزل تارة والنقل من سجن لآخر تارة أخرى وزيادة سنوات اعتقاله، حتى أن وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغف أمرت بإغلاق مسرح الميدان في مدينة حيفا حيث كانت أعمال وليد تقدم للجمهور.

ويعد الأسير الفلسطيني عمار الزبن وزوجته دلال من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية أول من نجحا بالإنجاب من خلف القضبان عام 2012، ومنذ ذلك الحين سجلت أكثر من ثمانين حالة ولادة بهذه الطريقة للأسرى الفلسطينيين، خاصة الذين يقضون أحكاما عالية.

ما فعله وليد بتهريب النطف وإحداث الحمل وصف بأنه "أكبر" تحد للاحتلال الإسرائيلي، خاصة أنه الحالة الأولى من أسرى الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 الذين ينجبون بهذه الطريقة، وأمام هذا لا يخشى الأسير دقة عقابا أكثر من الذي عاشه ولا يزال. 

‪دلال الزبن تحمل طفليها صلاح الدين ومهند وهما نجلا الأسير عمار الزبن الذي نجح بأول عملية إنجاب خلف القضبان‬ (الجزيرة)

لطفل لم يولد بعد
وقبل إقدامها على الحمل درست سناء كل الجوانب القانونية والاجتماعية لخطوتها لتجد أن "الحلم" لا يمنعه أي شيء، وأنها لا ترتكب خطأ يحاسب عليه القانون، وأن أقصى ما يمكن أن يوقعه السجان من عقاب بحق زوجها وليد يعيشه أصلا، خاصة عزله ومنع زيارته من ذويه أو زيادة مدة اعتقاله.

اعتقل وليد دقة عام 1986 من بلدته باقة الغربية في الداخل الفلسطيني المحتل، ويقضي حكما بالسجن لـ39 عاما، وهو واحد من ثلاثين أسيرا من الأسرى القدامى أو أسرى "الدفعة الرابعة" الذين لم يفرج عنهم الاحتلال الإسرائيلي كما فعل ثلاث مرات مع ثلاث دفعات قدرت بـ86 أسيرا انطلقت عام 2013 ضمن ما عرفت حينها بـ"تفاهمات المفاوضات".

‪المشفى العربي حيث تمت عملية تخصيب زوجات الأسرى بدعم من المشفى‬ (الجزيرة)

في الزيارة المعتادة كل أسبوعين تخبر سناء زوجها وليد بكل تفاصيل الحمل ومتابعاته له بحرص شديد، وتخبره بأحوال أهله وبلده، وكيف أن الكل بانتظار لحظات الفرح بقدوم "ميلاد" للحياة واحتضان والديها لها، وأن هذا ما يعولان عليه بعد هذه السنوات من الانتصار.

أما تحضيرات الولادة فهي تجري على قدم وساق من الأم سناء ومن ذوي الأسير دقة الذين سيقدمون "جهاز المولود" من ملابس وغيرها، في حين سيقدم أهلها سرير "ميلاد" كأولى الهدايا لها، أما هو فبات منشغلا بإعداد رسومات لها يرفقها بكل زيارة مع والدتها.

وفي رسالته الشهيرة "لطفل لم يولد بعد" كتب وليد دقة بعد ربع قرن من اعتقاله يقول "لفكرة أو حلم بات يرهب السجان دون قصد أو علم، وقبل أن يتحقق.. أكتب لأي طفل كان أو طفلة، أكتب لابني الذي لم يأت إلى الحياة بعد.. أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/ نسميها".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة