شاهد.. هيا الشيخ ياسين بالسمسمية تصل العالم

عاطف دغلس-نابلس

عشرون كيلو غراما أو أكثر من الفول السوداني والمكسرات ترفعها بين ذراعيها لتلقي بها داخل فرن نحاسي لتشويها، ليدل ذلك على جهد كبير وتعب تبذله السيدة الثلاثينية هيا الشيخ ياسين في صناعة حلوى السمسمية ذائعة الصيت في مدينتها نابلس شمال الضفة الغربية.

تتراكم أكياس المكسرات والسكر فوق بعضها، وعلى هيا ومن يساعدها داخل المصنع من زوجها والفتيات الأخريات العاملات إنجاز المهمة وتوفير الكمية المطلوبة للزبائن قبل انقضاء اليوم، فأي تأخير في التسليم قد يكبدها خسائر مالية أو يخالف شعارها "الصدق بالمعاملة".

وصنع السمسمية ليس أول تجربة عمل تخوضها الفتاة الثلاثينية هيا منذ تخرجها في الجامعة قبل تسع سنوات، فقد أطلقت مبادرة "الحدائق الصحية" في المدارس، ثم أسست معملها الخاص بتعبئة وتغليف الأجبان والأطعمة والمأكولات المصنعة يدويا لدى ربات البيوت والنساء في مناطق الريف الفلسطيني.

ومن هذه التجربة أطلقت هيا مشروعها الخاص في تصنيع السمسمية مستفيدة من تجارب خاصة في العمل الحر وتشجيع زوجها وحبه للتصنيع الغذائي، ولم تركن كثيرا للوظيفة بإحدى المؤسسات الأهلية أو العمل لاحقا باعتبارها خريجة صحافة وإعلام بإحدى الإذاعات المحلية، وترى في ذلك تقييدا ومنعا للإبداع

‪هيا الشيخ ياسين تعد الفستق السوداني تمهيدا لخلطه بالسمسم‬ (الجزيرة)

جهد ومثابرة
وسرعان ما تكيفت هيا مع عملها الجديد، وهي الآن في السنة السادسة على التوالي، تصل ليلها بنهارها في العمل لإنجاحه والتفوق على الصناعات المشابهة والكثيرة حسب قولها، واتخذت من توظيفها لسيدات مثلها وسيلة للمنافسة والتمكين الاقتصادي لهن.

كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف مساء حين التقينا بهيا داخل المصنع الذي تقيمه أسفل بناية لعائلتها بالمنطقة الشرقية في مدينة نابلس، ودل ضجيج الآلات وتسارع حركتها على أنه وقت الذروة في العمل، وكل ذلك كما تقول "للوصول للقمة وإنجاز الكثير بأسرع وقت".

تشير هيا بيدها إلى بعض العمال ليواصلوا عملهم بينما تأخذنا بجولة تعريفية بين آلات التصنيع التي لم تعد "معقدة" حسب وصفها، وتقول إنها باتت تتقن العمل عليها جيدا على الرغم من أن جزءا كبيرا من العمل يدوي وبأدوات بسيطة.

‪سمسمية باللوز والمكسرات‬  (الجزيرة)

لجأت هيا لتصنيع السمسمية والدخول في عالم ريادة الأعمال، وحاولت التغلب على "روتين" يقتل إبداع المرأة ويحد من طموحها، مستفيدة من تجارب وخبرات تلقتها في أميركا ومدن أوروبية ومحلية، وشاركت قبل ثلاثة أسابيع في مؤتمر فيينا للحد من العنف ضد المرأة والتمكين الاقتصادي.

وتقول هيا إنها أخذت على عاتقها الجانب الثاني، وهو النهوض بالمرأة وتمكينها اقتصاديا بعد ترشيحها من منتدى سيدات الأعمال الفلسطيني، ونقلت تجربتها في صناعة السمسمية ومشروعها الآخر حول التعبئة والتغليف وتشغيلها قرابة ستين سيدة فيه، بينهن طالبات جامعيات.

‪عمل هيا في صنع السمسمية ليس سهلا‬ (الجزيرة)

خطوات النجاح
وبهمة عالية تستيقظ هيا صباح كل يوم في الرابعة فجرا، حيث تعد نفسها وأولادها قبل الذهاب إلى العمل الذي تقضي فيه أكثر من عشر ساعات يوميا، وتقول بينما تخفق بعصا خشبية السمسم المعقود بالقطر لتفرده فوق بسطة عليها قوالب صممت خصيصا "إنها تصنع السمسمية منذ ست سنوات، ورغم العثرات وضعت لنفسها هدفا وأسلوبا للتميز، فصنعت بلا مواد حافظة وبنسبة سكر أقل بـ60% من المنتجات المشابهة بالسوق وبلا دهون مشبعة، فنحن نشوي المكسرات قبل صنعها".

وكان لدراسة هيا في الصحافة فوائد جمة أسقطتها على عملها لتنجحه، وترى أن للإصرار والعلاقات العامة والخطط التسويقية والتغذية الراجعة من الزبائن (الفيد باك) دورا كبيرا بسرعة تطورها، وجاء الإعلام الحديث ليعزز فكرتها بنشر تجربتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتنصح هيا بضرورة معرفة سيدة الأعمال اللغات الأجنبية التي تسخرها لتسويق منتجها عالميا، والاستفادة من آخر المعلومات حول الوصفات والخلطات الجديدة لتجعل منتجها أكثر رواجا "ولدي اليوم 43 نقطة بيع بمختلف مدن الضفة الغربية وقراها".

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد الفلسطيني إلى أن هناك ارتفاعا مستمرا خلال السنوات الثلاث الأخيرة في عدد الإناث المسجلات بالسجل التجاري، وأنه في عام 2018 ارتفع بنسبة 93.8% مقارنة بالعام 2017.

‪سمسمية باللوز والمكسرات‬ (الجزيرة)

كما ارتفع -حسب البيانات الرسمية- عدد الإناث المالكات والمساهمات في الشركات خلال السنوات الأخيرة، ويلاحظ ارتفاع هذا العدد بنسبة 14.0% في العام 2018 مقارنة بالعام السابق.

وترى هيا في الإصرار والمثابرة وأخذ رأي الزبائن بين الحين والآخر إضافة، فضلا عن النظافة وأهميتها في التسويق، كما تقوم بالسفر المحلي بين القرى والمدن وتقيس مدى احتياجها للحلوى التي تعدها وأي أنواع يفضل ساكنوها.

ورغم أن الربح عامل مهم في النجاح والاستمرار فإن هيا لديها آليتها الخاصة فيه وباستخدامه أيضا في تطوير منتجها وصناعتها، سواء بإحضار ماكينات متطورة أكثر أو بزيادة الكميات وتنويع وسائل البيع والتسويق، حتى أنها أعدت نكهات مختلفة لإرضاء الشريحة الكبرى من الزبائن وإسقاط شعارها "المنافسة مستحيلة" الذي تلصقه على كل قطعة واقعا.

‪هيا‬ (يمين)(الجزيرة)

دعم النساء الرياديات
في معرض كلامه ببازار أقيم قبل أيام شاركت فيه نحو مئة امرأة فلسطينية بمدينة رام الله، قال وزير الاقتصاد الفلسطيني خالد العسيلي إنهم يبذلون جهودا لدمج المرأة في العملية الاقتصادية عبر تخصيص مشاريع مشجعة توسع القاعدة الإنتاجية لها.

ولفت العسيلي في تصريح له وصلت نسخة منه للجزيرة نت إلى أهمية وجود مصادر التمويل بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين، وقال إنهم ينفذون الآن مشاريع إنتاجية بقيمة إجمالية تبلغ 62.5 مليون دولار لدعم القطاع الخاص في المجال الصناعي ودعم ريادية المرأة والشباب.

وإضافة إلى شعار منتجها "المنافسة مستحيلة" كانت هيا تتمتم بكلمات "1 2 3.. سمسمية كويك حياتي، و3 2 1.. كويك أطيب واحد" وهي تعمل بمصنعها، فربما تتحول هذه التمتمات إلى دعائية بصوتها الإذاعي كما تقول. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعدت حنين فنجاني قهوة ومدت يدها باتجاه شابين لم يبد عليهما الاستغراب من مشاهدة الشابة وهي تعمل على عربتها، ابتسما وهما يسمعانها تتحدث عن عملها وتسرد جانبا من يومياتها.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة