شابة تونسية مجازة في الإنجليزية.. اختارت تربية الأبقار على مهنتها الأصلية

أسماء تؤثر البقرة التي ستلد قريبا على بقية البقرات (الجزيرة)
أسماء تؤثر البقرة التي ستلد قريبا على بقية البقرات (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

منذ ساعات الفجر الأولى تستيقظ أسماء (26 عاما) مسرعة وترتدي ثياب العمل ثم تتجه نحو الحظيرة لتطمئن على بقراتها، وترضع العجول الصغيرة ثم توقد نارا للتدفئة نظرا للبرد القارس الذي يميز منطقتها؛ هذا هو دأبها منذ سنتين تقريبا.

أسماء قماطي شابة تونسية حاصلة على الإجازة في اللغة الانجليزية، تركت اختصاصها بعد أن ملت انتظار عمل، وتركت العاصمة لتستقر في ضيعة والديها في محافظة الكاف شمال غرب تونس.

تقول أسماء للجزيرة نت "اخترت تربية الأبقار وعوّلت على نفسي لخلق فرصة للعمل بعد أن مللت وعود الحكومات المتعاقبة بتوفير فرص عمل لأصحاب الشهادات العليا، وقررت خوض التجربة دون سابق إنذار".

أسماء تجمع العلف لتضعه في الحظيرة (الجزيرة)

يوميات أسماء
تستيقظ أسماء باكرا كل يوم، وتخرج إلى الحظيرة لتفقد بقراتها، ثم تحضر الحطب وتوقد نارا للتدفئة، فالبرد في محافظتها شديد، وما إن تشتعل النار ويعم الدفء حتى تبدأ تنظيف المكان وإزالة بقايا العلف جانبا.

وفي الوقت ذاته تضع قدرا كبيرا من الماء على الموقد لتغسل به ضروع بقراتها قبل عملية "الحلب"، وتشرع في وضع العلف أمامها، وتساعد العجول على الرضاعة كل على حدة، ثم ترفع القدر من على النار وتشرع في عملية التنظيف.

تأتي بأواني الحليب بعد تنظيفها جيدا وتبدأ حلب بقراتها، ثم تخرج لانتظار بائع الحليب الذي يمر كل صباح ليشتري منها حليبا طازجا يأخذه إلى شركة مختصة في التعقيم والتعليب والبيع.

أسماء تنقل التبن على ظهرها لتقدمه لبقراتها (الجزيرة)

تعود مسرعة لجلب الماء وتسقي البقرات قبل المغادرة نحو البراري الخصبة للرعي، وتأخذ معها عدتها من طعام وشراب وكتاب لقراءته. تقول أسماء للجزيرة نت "أثناء الرعي يكون الجو هادئا ويشجع على القراءة، ومخطئ من يظن أن الفلاحة عائق أمام الثقافة".

في أوقات فراغها تركب أسماء الجرار لتحرث الأرض بعد زراعتها بالعلف، وتشرف على كل التفاصيل بنفسها بمساعدة المزارع الذي يعمل في ضيعتها. تقول "أفضّل العناية بالأبقار على الزراعة لأن علاقتي بها وطيدة جدا، لكن لا بأس بالمساعدة أحيانا".

علاقة أسماء وطيدة ببقراتها (الجزيرة)

تحد ونجاح
لم يكن اختيار طريق تربية الأبقار هينا بالنسبة لأسماء، فقد واجهت رفضا قاطعا من عائلتها رغم أن والدها فلاح، بحجة أنها صغيرة السن ولا تستطيع تحمل تعب القطاع الفلاحي، لكنها تقول "تحديت الجميع للوصول إلى هدفي وتحملت المسؤولية كاملة".

جميع المحيطين بأسماء رفضوا الفكرة بل إن بعضهم استهزأ بها، فكيف لخريجة جامعة أن تربي الأبقار بعد سنوات طويلة من الدراسة. تقول أسماء ذلك ضاحكة وتضيف "لو أصغيت للانتقادات اللاذعة وسخرية البعض لكنت الآن في عداد المعطلين عن العمل".

كان الأمر صعبا في البداية بحسب أسماء، فقد بدأت تربية بقرتين على ملك والدها. أعجبتها الفكرة فقررت عدم الرجوع إلى الوراء وواصلت المشروع، ولها اليوم ثماني بقرات وثمانية عجول؛ تخبرنا أسماء ذلك وعلامات الفرح تعلو محياها، وتقول بحماس "أنا في انتظار عجل آخر سيولد قريبا".

أسماء تشرف على متابعة تغذية بقرتها بنفسها (الجزيرة)

اختارت الفلاحة على الانتظار
رغم أن الفلاحة أبعدتها عن المدينة وأصدقائها فإن أسماء تؤمن أن الوقت لا ينتظر، وقد حان الوقت لرسم مستقبلها. تقول إنها تريد تغيير حياتها بمفردها دون انتظار فرصة من أحد، فوقت الشباب ثمين ويجب استغلاله.

الدراسة والتفوق العلمي واجب بغض النظر عن المشاريع والصفقات الخاصة، إلا أن المرء يجب ألا يبقى "سجين" الشهادة الجامعية مكتوف الأيدي ينتظر دوره في عمل قد يأتي وقد لا يأتي في بلدان تشهد نسب بطالة عالية، وخير دليل على ذلك أسماء التي رسمت مستقبلها دون انتظار.

أسماء مع إحدى بقراتها (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة