هل تدرك النساء أهمية جوارب النايلون؟.. قصة اختراع غيّر خريطة العالم

ساهم اختراع مادة البوليمر في ثورة صناعية (رويترز)
ساهم اختراع مادة البوليمر في ثورة صناعية (رويترز)

ربما لا تعرف ملايين من النساء حول العالم ما أحدثه اختراع الجوارب النايلون من أثر على الصناعة والاقتصاد في حقبة زمنية شهدت أزمات مالية حادة.

بدأت الحكاية حين ابتكر عالم كيمياء عضوية مادة البوليمر، حيث أتاحت صلابة هذا النسيج للنساء قضاء وقت أقل في القيام بالأعمال المنزلية. وبهذا الصدد، سلطت الكاتبة والصحفية فرجينيا بوستريل -في تقريرها بصحيفة إندبندنت البريطانية- الضوء على قصة اختراع الجوارب النسائية المصنوعة من النايلون.

ومن جانبها، أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن الزبائن كانوا يقفون في صفوف طويلة طوال اليوم، مشيرة إلى أن العديد منهم كانوا رجالا. وفي ذلك اليوم، كانت عملية البيع مجرد تجربة، حيث بيع أربعة آلاف زوج من الجوارب لا تحمل العلامة التجارية لشركة دو بونت التي أرادت أن تظهر مدى قدرة الألياف التي صُنعت منها هذه الجوارب. وبحلول الساعة الواحدة ظهرا، نفدت جميع كميات الجوارب من جميع متاجرها في ويلمنغتون بولاية ديلاوير الأميركية.

وأوردت الكاتبة أن مخترع مادة النايلون كان عالِم كيمياء عضوية بارعا يدعى والاس كاروثرز، وشغل منصب رئيس قسم الكيمياء العضوية بشركة دو بونت، والتي تعهدت بمنحه الحرية المطلقة لإجراء الأبحاث. وفي هذا الإطار، قرر كاروثرز البحث في طبيعة البوليمرات التي كان يعتقد العديد من الكيميائيين أنها أكبر بكثير من أن تكون جزيئات وحيدة.

نفدت جميع كميات الجوارب من جميع المتاجر منذ اليوم الأول (رويترز)

بحلول عام 1931، صنَع فريقه أول ألياف البوليستر ليبرهن أن البوليمرات كانت في الواقع جزيئات منتظمة ذات طول غير عادي نظريا. ويعتبر هذا الاكتشاف إنجازًا علميًا هائلاً، ولكن لم يقع استغلاله تجاريا على الفور. وعلى الرغم من أن هذه المادة تنتج أليافًا بسهولة، فإن البوليستر الجديد كان قابلا للذوبان في درجة حرارة منخفضة للغاية، الأمر الذي يجعله غير عملي لاستخدامه في صناعة النسيج. وعقب إجراء بعض المحاولات باستخدام بعض المكونات المختلفة من البوليمر، عمد كاروثرز لإجراء أبحاث في مواضيع أخرى.

واستطردت الكاتبة أن النايلون قد ظهر نتيجة نقض شركة دو بونت للوعد الذي قطعته لكاروثرز بالتمتع بالحرية الكاملة في مجال الأبحاث العلمية في البداية.

ومع تفاقم أزمة الثلاثينيات الاقتصادية، كانت الشركة بحاجة ماسة للعودة إلى استثماراتها العلمية، الأمر الذي دفع مديرها لحث هذا الكيميائي على صنع ألياف من البوليمرات ذات خصائص أفضل وتكون أكثر عملية.

طفرة صناعية
بداية عام 1934، تخلى كاروثرز عن أبحاثه وشرع في صنع مادة "متعددة الأميد" القادرة على تحمل الماء الساخن وسائل التنظيف الجاف. وبعد مرور بضعة أشهر من التجارب المنتظمة، تمكن المختبر من تحقيق أول نجاح له تمثل في صنع خيوط شبيهة بالحرير قادرة على تحمل الماء الساخن وسائل التنظيف.

ونجحت تجارب أخرى في التوصل إلى طريقة لتصنيعها باستخدام المركب الكيميائي البنزين الذي يعد من المشتقات الوافرة لمادة الفحم، مما جعل تكلفة الألياف الجديدة معقولة. وبحلول نهاية عام 1935، كانت خيوط النايلون الأولى جاهزة للاختبار.

ذكرت الكاتبة أنه منذ البداية، أدركت شركة دو بونت أن الجوارب النسائية ستكون سوقًا كبيرًا للألياف الجديدة، مشيرة إلى أنها ستكون بديلا لألياف الحرير، وتباهت بالآثار الجيوسياسية المترتبة عن خفض صادرات الحرير من اليابان. وبطبيعة الحال، شكلت هذه الألياف الجديدة خريطة العالم. فخلال الحرب العالمية الثانية، تم استخدام مادة النايلون في صنع المظلات وحبال سحب الطائرات الشراعية المنزلقة وأسلاك الإطارات والناموسيات والسترات الواقية من الرصاص.

استخدمت الألياف الصناعية في صناعة المظلات والسترات الواقية من الرصاص (مواقع التواصل)

انتصار النايلون
وعندما نزلت قوات سلاح المظلات المتحالفة من السماء لإعلان بداية غزو النورماندي، رُفعت المظلات المصنوعة من النايلون. وخلال هذه العملية، أعلن شخص ما، ربما يكون تابعا لقسم العلاقات العامة في شركة دو بونت، أن هذه المادة الجديدة هي "الألياف التي انتصرت في الحرب".

وأوردت الكاتبة أن دو بونت اتخذت قرارا مدروسا يقضي بعدم الترويج للنايلون على أنه "حرير اصطناعي" بل مادة جديدة مصنوعة من "الفحم والهواء والماء". وكانت بذلك تهدف للترويج لهذه المادة على أنها تتمتع بخصائص أفضل من الحرير القديم، فهي أقوى وأكثر مرونة وديمومة، وقابلة للجفاف بشكل أسرع، وأقل تعرضا للبقع في المطر. وبعد الترويج للنايلون على أنه أكثر صمودا من الحرير، اضطرت الشركة لكبح توقعات الزبائن بأن الجوارب الجديدة ستكون عرضة للثقب.

وأشارت إلى أنه مثلما مثّل جهاز الآيفون نقطة تحول أدت لظهور سوق تنافسية في عالم الأجهزة الذكية، كان النايلون مصدر إلهام ساهم في ظهور ألياف اصطناعية مماثلة. فبعد الاطلاع على نتائج أبحاث كاروثرز، طوّر الكيميائيان البريطانيان ريكس وينفيلد وجيمس ديكسون الألياف التي باتت تُعرف اليوم بالبوليستر، باستخدام حمض التيرفثاليك "غير المعروف" كمكوّن رئيسي، حيث توصلا إلى أن تناظر الجزيئي الأكبر من شأنه أن يسفر عن نتائج أفضل من التجارب التي قام بها كاروثرز.

استخدامات أخرى
في الواقع، شجعت الألياف الاصطناعية على تحول أساسي في توقعات عالم الأزياء التي مازالت مستمرة حتى يومنا هذا. وبهذا الصدد، كتبت مؤرخة الأعمال ريجينا لي بلازيك قائلة "السمة المميزة التي أسميها الأداء العالي ميزت مجموعة منتجات ما بعد الحرب عن سابقاتها أوائل القرن العشرين، حيث يمكن تجفيف ستائر بواسطة التنقيط، كما أن الأزياء الموحدة لا تحتاج إلى كي، ويمكن غسل القمصان دون أن تنكمش، الأمر الذي ساهم في الحد من الأعباء المنزلية".

وسرعان ما أصبح النايلون المادة الأكثر استخداما في صناعة الجوارب النسائية، بما في ذلك الجوارب الطويلة التي ظهرت في عصر التنانير القصيرة وتحرير المرأة، والتي أصبحت ممكنة جزئيًا بفضل المواد التركيبية. ونهاية المطاف، لم يعد النايلون معاصرا للأناقة، حيث تعمد المرأة إلى عدم ارتدائها حين يكون الجو باردا، وترتدي لباسا ضيقا مصنوعا من ألياف البوليستر. ومن المرجح أن ترتدي الشابة اليوم قطعا مصنوعة من النايلون، كالحذاء الرياضي أو حقيبة الظهر، أكثر من الجوارب.

المصدر : الصحافة البريطانية