بالفيديو.. فتيات بمراكش الحمراء يحيين "مصارعة شعبية" في المغرب

عبد الغني بلوط-مراكش

تسارع الشابة إكرام الخطى إلى القاعة الرياضية البعيدة عن منزلها، لا يكافئ عناء السير إليها مساء، ثلاث مرات في الأسبوع، وبعد يوم طويل على مقاعد الدراسة، غير متعة تعلم شيء جديد وتعليمه.

وفيما يكون الليل قد بدأ يرخي ستارته الأولى على المدينة الحمراء، تكون هذه الشابة على أتم استعداد لاستقبال عدد من الأطفال لتلقينهم رياضة شعبية باتت قريبة جدا من الانقراض التام.

تقول إكرام أنفلوس (17 سنة) للجزيرة نت وهي ترتب لباسها الرياضي بحزم ظاهر "أحببت هذه الرياضة، التي مارستها النساء في الزمن القديم، لما تعلمه من قوة التحمل والصبر والشجاعة".

‪الشابتان إكرام وخديجة في لباس رياضي تقليدي لرياضة "لمشايشة"‬ (الجزيرة)

إحياء رياضة شعبية
تسعى الشابة إكرام في مدينة مراكش إلى إحياء رياضة شعبية قديمة باعتبارها تراثا لاماديا، تسمى "لمشايشة" شبيهة برياضات الفنون القتالية المعروفة في عدد من البلدان الأخرى.

وتطمح إكرام -وهي تقود مبادرة إلى جانب صديقاتها ومدربهن- إلى الرقي بهذه الرياضة إلى مستوى العالمية، معولة على جهدها الخاص مع تبني المسؤولين لحلمها في تلقين هذا الفن الرياضي للصغار ذكورا وإناثا، والسعي إلى تنظيم مسابقة رسمية هي الأولى من نوعها بعد طول غياب.

تضيف صديقة إكرام الشابة خديجة قنيم للجزيرة نت، وهي تنظر بحماس إلى معدات رياضية "من يقترب من هذا الفن الرياضي، يشعر بالمتعة التي كان أسلافنا يجدونها وهم ينتظرون آخر الأسبوع من أجل ممارستها في جو من المرح والبهجة والسرور، ناهيك عن إكرام من طرف الآخرين وبالأخص كؤوس الشاي".

قوانين خاصة
بلباسهما التقليدي الصوفي وحزامهما المصنوع من القنب، تقوم إكرام وخديجة بتحية الجمهور بحركات ترمز إلى الاحترام وعدم الغرور أو التعالي على الخصم، وبضربات قوية على الأرض تبدآن تمارينهما الرياضية مرة بعصا ومرات من دونها.

تقول إكرام -وهي تحرص على أن يقوم كل ممارس بالحركة الصحيحة المناسبة في الوقت الصحيح- إن "أهم قاعدة في هذه الرياضة، هي الإيقاع بالخصم أرضا واحتساب النقاط، وقد تستعمل الأرجل وحدها مع وضع اليدين خلف الرأس، أو استعمال اليدين والرجلين".

وتتابع خديجة "أما استعمال العصا فله قوانين محددة، ولا يسمح باستعمالها إلا لمن وصل درجة عالية من الممارسة، ويكون الهدف ليس الضرب، ولكن إسقاط الخصم باحتكاك العصي".

‪الشابتان إكرام وخديجة في حركة رياضية في المناطق الخضراء خلال تدريبات لرياضة "لمشايشة"‬ (الجزيرة)

رياضة مراكشية
لم تكن هذه الرياضة مقتصرة على مدينة مراكش، فقد كانت معروفة في مدن أخرى منها مكناس وفاس وسلا وتارودانت، لكن بتسميات مختلفة منها "لمشاوشة" أو "لمسايسة" أو "لمساوسة" مع اختلافات بسيطة في القواعد ومعايير اللعب.

ويبرز الباحث في مجال التراث الرياضي عادل رجا للجزيرة نت أن ممارس هذه الرياضة يسمى "ليشاشرة" ويكون غالبا من الصناع التقليديين الذين يمارسون مهنة تعتمد على الجهد العضلي مثل الدبَّاغة.

ويشرح الباحث أن هذه الرياضة تعود إلى أكثر من قرن من الزمان، وهي ترمز إلى القوة والبطولة، وقد ازدهرت بين المغاربة أيام الاستعمار الفرنسي والإسباني للمغرب، قبل أن تعود إلى الاختفاء مع بداية الاستقلال.

ويضيف رجا "أن عددا من الوطنيين كانوا يتخذونها رياضة ترفيهية، لكن في العمق يتدربون من أجل مواجهة ما قد يستجد خلال الكفاح ضد الاستعمار".

‪عادل رجا الباحث في التراث الرياضي الشعبي: "لمشايشة رياضة يحتكرها الرجال اقتحمها بعض النساء"‬ (الجزيرة)

رياضة التماسك المجتمعي
ترتبط هذه اللعبة الرياضية الشعبية في أذهان المغاربة بالأعياد والمناسبات الدينية، ولممارسيها مكانة خاصة في المجتمع، فيما يتقيد الجمهور بعادات وتقاليد احترام الخصم، والتي لا محيد عنها.

ولا تعتبر "لمشايشة" رياضة عادية، يحتكرها الرجال ويقتحمها قليل من النساء، فهي بحق كما يقول عادل رجا، وسيلة من أجل التضامن والتماسك المجتمعي في أبهى صورة، ولا يرضى "قوي" أن ينازل من هو أضعف منه.

ويذكر رجا أن أهل مراكش المعروفين بتنظيم "النزاهات" (نزهات) في الحدائق والعراصي (الساحات) المنتشرة داخل المدينة وعلى جنباتها، يمارسون هذه الرياضة بكثير من الفخر والاعتزاز، ويقرنونها برياضة أخرى شعبية تسمى "تكورت" تلعب بعصا وكرة مصنوعة من الخيط تشبه إلى حد بعيد رياضة الهوكي المشهورة.

ويضيف أنهما (لمشايسة وتكورت) ينظمان في جو احتفالي مصحوب بفن الدقة المراكشية، لكن أيضا بتناول "الطنجية" الوجبة الشعبية الأولى في المدينة الحمراء.

‪ممارسون صغار لرياضة "لمشايشة" في زي حديث بالأحمر وحزام أخضر‬ (الجزيرة)

الحلم بالعالمية
يقول رجا، إن أهل مراكش كانوا يحرصون على تنظيم مسابقات في هذه الرياضة في عيد المولد النبوي، بل ويحجون إلى مدينة مكناس في مناسبات دينية أخرى لمنازلة "ليشاشرة" المدينة الإسماعيلية في أجواء احتفالية قل نظيرها.

وتأسف إكرام أن رياضات آسيوية مماثلة مثل الجودو والكاراتيه عرفت الانتشار الواسع، في حين أن هذه الرياضة المغربية الأصيلة لها أيضا من المقومات ما يجعل الرياضيين يتهافتون على تعلمها.

تغادر إكرام القاعة الرياضية -وكلها شوق للعودة إليها بعد يومين- فهي تضع صوب عينيها تحقيق حلم يراودها منذ عرفت هذه الرياضة وهو إحياؤها من جديد، والوصول بها، حسب تعبيرها، إلى العالمية.

‪ممارسون صغار لرياضة "لمشايشة" يحلمون بالعالمية‬ (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عشرات السيدات يمارسن الرياضة المائية (أكوا جيم) وفق تعليمات المدربة التي تقف خارج البركة، ابتسامات متبادلة، أحاديث جانبية، وسرعان ما تنتهي الساعة بتصفيق حماسي للمدربة التي جعلتهن يشعرن بالحيوية والنشاط.

17/7/2019
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة