بالفيديو.. الخط العربي ببصمة نسائية مغربية.. روائع الماضي والحاضر

عبد الغني بلوط-الدار البيضاء

في مرسمها الخاص بمنزل أسرتها في حي البرنوصي بمدينة الدار البيضاء، تنظر الفنانة نورية بكثير من التأمل للوحات قرآنية لتلميذاتها على الألواح الخشبية، كأنها لا تصدق ما تراه من تحف فنية أبدعتها أنامل نسائية.

تدخل في حوار قصير بصوت هامس مع إحداهن في جو من المرح والحبور، حتى يخيل لمن يراهما أنهما متواطئتان على مشروع فني كبير.

تقول نورية للجزيرة نت وهي تسترجع ذكرياتها "مكنتني المثابرة من تعلم الخط المغربي واكتساب خبرة فيه، ساعية للإحاطة ببعض خباياه ونقلها إلى الجيل الجديد".

‪نورية أول مغربية حصلت على إجازة الخط العربي‬ (الجزيرة)

سبق نسائي
تعتبر نورية أول مغربية حصلت على الإجازة في الخط العربي على يد الأستاذ حميدي بلعيد، وتسلمتها في محفل دولي بمركز إرسيكا بمدينة إسطنبول في تركيا.

ومن يتمعن فنيا في لوحاتها الخطية، يجدها تحمل خصائص إبداعية مستلهمة من جماليات الخط المغربي بكل حركاته وسكناته، وأيضا كتله وتركيباته واسترسالاته وتدويراته.

يقول عنها مواطنها الباحث الأكاديمي محمد البندوري إنها تعرف عن وعي، وتدرك عن جدارة عملية توظيف النقطة والحرف والمساحة واللون، لتنسج الإبداع الخطي وفق مقومات جمالية في نسق بديع.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت "أضحت رياضي أيقونة تغذي التجربة العربية الجمالية بتعدد اتجاهاتها، بما يشكله الحرف لديها من أنساق فنية في المنظومة الحضارية بتكويناتها وبنائها الفني".

‪لوحات من المعرض‬ (الجزيرة)

بداية الحكاية
في ركن من مرسمها تبرز "إجازة" نورية كلوحة فنية رائعة، موضوع حليتها يشمل أواخر سورة الفتح، وأوصاف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

تحكي أن لـ "إجازتها" مسارا طويلا بدأ قبل عشرين سنة، حين توجهت إلى دار الشباب لتتعلم فن الرسم، وتجد نفسها مغرمة أيضا بالخط العربي.

وتضيف أنها بدأت أول الأمر برسم الخطوط المشرقية على يد أستاذها عبد اللطيف تيمزت، إلى أن تم الإعلان عن جائزة محمد السادس سنة 2008، فتحولت تدريجيا إلى الخط المغربي وبرعت فيه.

حصولها على الإجازة فتح لها باب التدريس في دور الشباب والكتاتيب القرآنية لدى النساء والفتيات، وتتوج مجهودهن المتبادل منها ومن المتعلمات بحصول خمس منهن على الإجازة في الخط المغربي.

‪نورية (أقصى اليسار) مع تلميذاتها‬ (الجزيرة)

معرض الألواح القرآنية
حين تتجول في اللوحات الخشبية القرآنية المعلقة بمرسم نورية، تجدها مفعمة بحياة إبداعية لا مثيل لها، بعضها موقع باسمها، وأخرى من تلميذاتها باسم كامل أو ألقاب نسائية.

وتقول إن لتلك اللوحات قصة جميلة بدأت بفكرة بسيطة، إلى أن تحولت إلى معرض نسائي جماعي فريد من نوعه وغير مسبوق حظي بإعجاب الكثيرين من الخطاطين.

وتقول إحدى التلميذات للجزيرة نت "لم يكن الأمر سهلا لنساء لهن مسؤوليات متعددة، لكن حب القرآن الكريم والاعتزاز به كان دافعا قويا لإتمام هذا العمل الفني المتفرد".

وتضيف بحماس كبير "في عملنا الجماعي وظفنا الألواح القرآنية بصفتها موروثا مغربيا أصيلا وجب المحافظة عليه من الاندثار، ولتقديمها بحلة جديدة تحول اللوح الخشبي إلى لوحة فنية رائعة.

مآرب أخرى
ذاع صيت نورية فبات اسمها متداولا بين حافظات القرآن الكريم، فتجويد الخط يستفدن منه في امتحانات التزكية من المجلس العلمي بالمدينة، حيث يُشهد لهن بالإبداع والفنية بكتابة الخط المغربي المبسوط الجميل، مما يشجع أخريات على الإقبال على تعلمه.
‪في حصة تعليمية مع تلاميذها‬ (الجزيرة)

لا تقف تجربة نورية عند ذلك، إذ يتم استدعاؤها لتخوض بين الفينة والأخرى في تجربة جديدة لتعليم الخط المغربي للطلبة الأجانب.

وتروي نورية بشغف كيف يقبل طالبات وطلاب -من الصين أو ماليزيا بمركز اللغة العربية لغير الناطقين بها والتابع لكلية الآداب بالرباط- على تعلم الحرف العربي ويجيدون فيه.

تتابع حديثها وهي تخط نماذج من أعمالها الفنية "تجربتي مع كل فوج تستمر ثلاثة أشهر وتنتهي بمعرض فني جميل للخط المغربي بلمسة طلابية شبابية آسيوية". 

الماضي والحاضر.. وبينهما رباط
لوحات نورية القرآنية وتلميذاتها متعة للعين لمن يرمقها بنظره، وصفاء للنفس والروح لمن يدقق في تفاصيل رسومها وزخارفها ومعاني آياتها. تبرز بالمرسم لوحة مطرزة بالفسيفساء المغربية هنا، وهناك لوحة زينت بعقيق ومجوهرات بسيطة، وأخرى منقوشة بعناية.. وهكذا دواليك.

تتحدث عن خطاطات الماضي بكثير من الإعجاب، مثل ورقاء التي سكنت مدينة فاس وفاطمة بنت زويتن الفقيهة والنساخة التي نسخت كتاب الشفا للقاضي عياض في غاية الجودة، وتذكر كل تلميذاتها بفخر واعتزاز.

تتشابه أسماء الخطاطات المبدعات وتختلف بصماتهن وتتنوع، لكن عزيمة نورية -كما تعيد ذلك مرة تلو المرة بحديثها- هي ربط ماض مشرق بحاضر جميل من أجل مستقبل مبهر.    

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة