المرأة الأوركيدية.. مبادرة فلسطينية لعلاج ضحايا التشوهات

جلسة تغريد إعلامية تضمنت عرض ورقة حقائق عن النساء المشوهات في قطاع غزة (الجزيرة)
جلسة تغريد إعلامية تضمنت عرض ورقة حقائق عن النساء المشوهات في قطاع غزة (الجزيرة)

علا موسى-غزة

كانت الشابة خلود أبو العلا (19عاما) حبيسة المنزل قبل أشهر، لا تستطيع الخروج إلى لحالات الطوارئ أو للعلاج فقط، إذ كانت تعتقد أنها من اللواتي أجبرن على الانعزال عن المجتمع بسبب تشوهات حصلت في وجهها، لكنها عادت لتشاهد النور من جديد بعد انضمامها لمبادرة المرأة الأوركيدية التي تعنى بمساندة ضحايا التشوهات منذ شهرين.

تعرضت خلود لتشوه بوجهها قبل ثلاثة أعوام نتيجة العنف الأسري، وكانت الحروق منتشرة بوجهها وبعض أجزاء من جسدها من الدرجة الثالثة والثانية، مما أدخلها بحالة نفسية سيئة، واكتفت بعلاجات المسكنات والمضادات الحيوية فقط لقلة العلاجات التجميلية في غزة.

مبادرة المرأة الأوركيدية هي مبادرة شبابية انطلقت من قطاع غزة، وتعنى بتسليط الضوء على النساء ضحايا التشوّهات في الوجه أساسا، سواء الناتجة عن عيوب خلقية أو حروق وحوادث أو تشوهات من الحروب التي شنها العدوان الإسرائيلي.

وحازت المبادرة عام 2018 على الجائزة الثانية على مستوى فلسطين ضمن "برنامج تحدي الإبداع" لتعزيز مشاركة المرأة الفلسطينية، وتنشط المنخرطات فيها بتقديم نصائح طبية ونفسية للنساء ضحايا التشوّهات. كما تسلط الضوء على تهميشهن في فرص العمل وكذلك الصعوبات التي يواجهنها في الحياة الاجتماعية وخاصة الزواج.

عرض فيلم المرأة الأوركيدية ضمن نشاطات المبادرة ويتناول خمس قصص لنساء مشوهات (الجزيرة)

تشوهات غير خلقية ولكن..
تقول خلود "للأسف نحن من فئة التشوهات غير الخلقية، بيننا سيدات تشوهن بفعل الحروب الإسرائيلية والقصف على غزة، وبعضنا تشوه عندما كنا أطفالا بسبب تعرضنا لحروق، وأخريات نتيجة مشاكل عنف أسري، وأخريات بسبب استخدام بعض الأدوات، منا من يعزلن أنفسهن عندما يتعرضن لتشوه قبل الخروج للمجتمع".

وتضيف "نعيش ظروفا نفسية صعبة داخل مجتمع لا يتفهم ما نعانيه من نظرة التفرقة باتجاهنا، لهذا المبادرة أخرجت ما بداخلي واندمجت بالمجتمع، وشاهدت نماذج عالمية لنساء تغلبن على كل النظرات الدونية لهن".

وبينت خلود أن مبادرة المرأة الأوركيدية تقدم أنشطة الدعم النفسي والإرشادات الصحية، لكنها عاجزة عن الحصول على علاج لها، فهي ترددت على العيادات والمستشفيات الصحية العامة، ووجدت أنها بحاجة للسفر للخارج للحصول على علاج مناسب وهو مكلف جدا، ولا تستطيع الجهات الصحية منحها تحويلة على حساب السلطة الفلسطينية كونه علاجا تجميليا.

كذلك إكرام أبو النصر (31 عاما)، كانت حبيسة المنزل لأنها لا تريد الخروج للشارع ولفت النظر وتلقي أسئلة عن سبب تشوه وجهها، فهي تعرضت لحرق أجزاء من جسدها ووجهها من شقيقتها التي كانت مريضة نفسيا عام 2014، حاولت على مدار خمس سنوات الحصول على علاج، لكنها لم تحصل على شيء حتى الآن.

تقول إكرام "تعرضت لأذى نفسي كبير عندما تشوهت، غزة مجتمع غير صحي بالنسبة لي، فيها حروب ودمار وخراب، ينظرون لي نظرة شفقة، وآخرين ينظرون ويقولون الحمد لله أنهم لم يصابوا بما أصابني، هذه أسباب عزلتني عن المجتمع، لكنني تلقيت إرشادات نفسية وصحية من المبادرة، وفي النهاية أنا إنسانة يجب أن أتفاعل مع من حولي وأكون مؤثرة".

المرأة الأوركيدية.. نساء تشوهن بفعل الحروب الإسرائيلية والقصف على غزة (الجزيرة)

دعم نفسي وعلاجي وتمكين
أحد أعضاء فريق المبادرة ريما محمود توضح أن المبادرة إنسانية في صلب عملها، بعد أن لامست هي وزميلاتها المشكلة خلال عملها ببرامج وأنشطة دعم المرأة الفلسطينية مع مؤسسات المجتمع المدني، وتعنى بعلاج النساء المشوهات والمصابات بحالة نفسية، لدمجهن بالمجتمع الغزي.

وتبين ريما أن المبادرة تتضمن برامج دعم نفسي من متخصصين وناشطات نسوية فلسطينية على شكل جلسات، وبرنامج علاجي للتشوهات وإرشادات صحية، إضافة للتمكين المجتمعي بإشراك النساء المعنيات بأنشطة مجتمعية وتشبيك المؤسسات النسوية المحلية.

ونظم فريق المبادرة جلسة تغريد إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، وعرض ورقة حقائق إلى جانب إرشادات للمغردين، وفيلم وثائقي تناول خمس قصص لنساء مشوهات، قصصهن مختلفة، لكن العامل المشترك بينها هو المعاناة.

وتضيف ريما أن العلاج في غزة غير متوفر لعمليات التجميل كما تتطلب حالات النساء، إضافة لقلة أطباء عمليات التجميل، ورغم أنها صغيرة لكنها مكلفة جدا.

وبعد نجاح الحملة في غزة، تلقت ريما وفريق المبادرة الكثير من الرسائل لنساء مشوهات، ويسعى الفريق خلال المرحلة القادمة لاستهدافهن بأنشطتها، وتقول ريما "استطعنا إثبات أهمية المبادرة ولفت نظر الجهات الفلسطينية المعنية والمسؤولة، ونسعى لتصبح مبادرة وطنية كبيرة لدمج النساء المشوهات بالمجتمع".

حملة التغريد التي نظمها  فريق المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي لصالح النساء المشوهات (الجزيرة)

أرقام حالات الحروق في غزة
وقامت هبة كريم أحد أعضاء فريق المبادرة بإعداد ورقة حقائق عن السيدات المشوهات في قطاع غزة، سواء بفعل فاعل أو تشوه خلقي وتعرضن لعمليات جراحية فاشلة، فازدادت نسبة التشوه إضافة لأسباب أخرى.

وأظهرت الورقة أن عدد حالات الدخول لمجمع الشفاء الطبي -الذي يعتبر أكبر مجمع طبي في قطاع غزة- نتيجة الحروق بين عامي 2010 إلى أكتوبر/تشرين الأول عام 2019 بلغ 24.185 حالة، بواقع 1.624 سيدة على مدى عشر سنوات. كما تم تسجيل دخول 708 حالة لمجمع ناصر الطبي جنوب القطاع بين عام 2017 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2019، بواقع 199 سيدة على مدى ثلاث سنوات. 

وتقول هبة إن "هناك أسبابا عدة لتشوهات النساء في غزة، وبسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في القطاع، مما يجبر النساء على إشعال الشمع والحطب باستخدام مواد خطرة، وكذلك حوادث الطرق التي تؤدى لتشوهات واضحة، وبسبب العنف المجتمعي ضد النساء".

كل ذلك إلى جانب العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة الذي يعرض بشرة النساء للمواد المحرم استخدامها دوليا مثل الفسفور الأبيض، إضافة للأخطاء الطبية في عمليات التجميل التي ينتج عنها تشوهات أكبر من السابق.

وتنوه هبة بأن المبادرة تطمح لتوفير العلاج اللازم للنساء، وتسهيل سفر الفئة المستهدفة منهن لإجراء عمليات تجميلية في الخارج، وإنشاء مؤسسة تساعدهن في ممارسة دورهن في المجتمع.

المصدر : الجزيرة