بدور حسن.. حقوقية شغفت بالقدس وباتت وجها مألوفا فيها

النشاط الميداني أثناء المظاهرات يرافق عمل بدور المكتبي في القدس (الجزيرة)
النشاط الميداني أثناء المظاهرات يرافق عمل بدور المكتبي في القدس (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

"القدس هي المدينة الوحيدة التي أنتمي إليها في هذا العالم رغم قساوتها وتعقيداتها.. لا يليق العيش بها لأصحاب القلوب الضعيفة، فهي مدينة قاسية وغاضبة، وأحيانا تكون عصية على الفهم، لكن بمجرد شعورها بانتماء الشخص إليها فإنها تعطيه كل السعادة، ليدرك فورا أن كل الصعوبات التي يكابدها تستحق بسبب لحظة صغيرة من السعادة".

بهذه الكلمات عبرت الحقوقية المنحدرة من قرية المشهد قرب الناصرة بدور حسن عن حبها لمدينة القدس واختيارها للعيش فيها منذ عقد من الزمان.

ولدت بدور عام 1989 في قرية المشهد، وانتقلت للعيش مع أسرتها إلى مدينة الناصرة، قبل أن تقرر الالتحاق بالجامعة العبرية في القدس لدراسة القانون عام 2008، ثم دراسة الماجستير في القانون الدولي بالجامعة ذاتها.

عندما قدمت الشابة إلى القدس بهدف الدراسة الجامعية لم تكن قد زارتها سوى ثلاث مرات في حياتها، لكنها سرعان ما تعلقت بالمدينة رغم تناقضاتها العميقة والصعوبات التي تواجه المقدسيين في حياتهم اليومية.

بدور حسن تشارك وتهتف مع المقدسيين في كل فعالياتهم الوطنية (الجزيرة)

أحلام بددها الواقع
حول اختيارها تخصص القانون بداية، قالت بدور إنها كغيرها كانت تعتقد وتحلم خلال فترة المراهقة أن بإمكانها تحقيق التغيير بعد الحصول على شهادة في القانون، لكن "هذه السذاجة سرعان ما تلاشت بعد انخراطي في جامعة إسرائيلية، وأيقنت أنني لن أتمكن من تحقيق العدالة الاجتماعية ولا التغيير من خلال القانون الإسرائيلي".

أتاحت لها فرصة الالتحاق بالجامعة العبرية في القدس الاختلاط بالمجتمع اليهودي، واستطاعت أن تدرك سريعا أن العقلية الاستعمارية والعقيدة العسكرية متجذرة لدى جميع شرائح المجتمع الإسرائيلي، بما فيها شريحة الليبراليين.

"شاءت الأقدار أن ألتحق بالجامعة إبان الحرب على غزة عام 2008، وهذا ما دفعني للتأكد أنه لا يوجد يمين ويسار في إسرائيل عند اندلاع الحروب.. هناك تماهٍ مطلق مع سياسة الحكمة بالحرب مهما ادعى الطالب أنه ليبرالي، لأن غالبيتهم الساحقة خدمت بالجيش، وجزء منهم يذهب للخدمة الاحتياطية خلال الحرب.. هكذا نضج الوعي لديّ وأدركت أن لا فرق بين مدني وعسكري في هذا المجتمع، واكتشفت أن لا مجال للنقاش فيما يتعلق بإنسانيتنا كفلسطينيين، ومن هنا ظهرت شخصية مختلفة لبدور".

تطورت شخصية الحقوقية الفلسطينية من خلال التجربة الاجتماعية والحياة المستقلة الجديدة، بالإضافة إلى المشاركة في الفضاء العام من تنظيم للفعاليات والمظاهرات والمشاركة فيها، ومواجهة الطلبة الإسرائيليين الأكثر تعبيرا عن كرههم للفلسطينيين.

بدور حسن تطورت شخصيتها من خلال التجربة الاجتماعية والحياة المستقلة الجديدة (الجزيرة)

بين الناس ومعهم
تطوَّر نشاط بدور وخرج عن نطاق جامعتها، وبدأت تنضم إلى الاحتجاجات بجانب المقدسيين لمساندة الأسرى المضربين عن الطعام، ودعما للثورات العربية مع انطلاقتها عام 2011، ولا تتوانى عن التواجد في الميدان خلال المناسبات السنوية كيوم الأرض وذكرى وعد بلفور، وبرز دورها مؤخرا في حراك "طالعات" النسوي.

ألِف المقدسيون وجودها بينهم، وباتوا ينتظرون بلهفة هتافاتها الجديدة التي تصدح بها حنجرتها.. "يساعدني بالهتاف أن صوتي مرتفع.. وجودنا في الحيز العام بالمظاهرات يعطينا طاقة وصوتا يعلو تلقائيا.. لا أعلم إن كان ذلك يتعلق بهرمون الأدرينالين أم بإحساسنا العميق بأهمية وجودنا واستعادتنا الآنية لباب العامود وسيادتنا عليه قبيل قمع الاحتلال لنا".

تحرص بدور حسن على الثبات في مكانها عند إقدام قوات الاحتلال على قمع المتظاهرين، وتقول إنها لا تختار ذلك بل هي ردة فعل فورية، فتشعر أن صوتها يرتفع بالهتاف تلقائيا، وتأبى المغادرة أو الهرب، وتفضل المواجهة مع من يريد قمعها لأنها تعبر عن رأيها بحرية.

"يا مرح ويا نورهان صمودكو بقهر السجّان"، "لا ضحايا ولا قوارير.. إحنا اللي بنقود التحرير"، "إحنا ما بدنا ذهب ولا بهوانا الذهب.. بدنا ثورة نسوية من القدس للنقب"، "اطلع يا قمرنا وهلّ.. ضوّي الكرة الأرضية.. ما خلقنا تنعيش بذلّ.. خلقنا نعيش بحرية".

بعض الهتافات تعمل بدور على تأليفها وأخرى تقتبسها وتطلقها خلال المظاهرات، وتقول إنها تحرص مع المقدسيون على ترديد بعض الأغنيات التي ارتبطت بالثورات العربية مثل "جنّة جنّة جنّة تسلم يا وطننا".

هذا النشاط الميداني يرافق عملها المكتبي في مجال البحث القانوني والمناصرة بمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، وحرصها على كتابة المقالات باللغة الإنجليزية لمواقع عدة عن قضايا الأسرى وقصص الشهداء والنضال الفلسطيني.

بعد 11 عاما من الاستقرار في المدينة المقدسة، تأكدت بدور من عمق وعي الشارع المقدسي الحي الذي لا ينتظر إملاءات من أحد، حسب رأيها.

وأضافت أنه في هبّة البوابات الإلكترونية صيف العام 2017، كان لها الشرف بالاعتصام على أبواب الأقصى مع الناس، وتعلمت كل يوم كيف تكون المقاومة بالفطرة، وكيف وصل المقدسيون إلى مرحلة لا يحتاجون فيها التوجيه من أحد.

ورغم ضيق مساحات العيش بحرية أكثر فأكثر، فإن المحامية الفلسطينية ترى أن لا سعادة في هذا العالم تعادل سعادتها هي وأصدقاؤها أثناء جلوسهم لاحتساء الشاي على مدرجات باب العامود أو السير في المدينة ليلا، فهذه "سعادة استثنائية تستحق أن نقاتل من أجلها ومن أجل استعادتها كلما سُلبت منا". 

المصدر : الجزيرة