لماذا غابت المرأة الجزائرية عن انتخابات الرئاسة؟

لعبيدي: لم أفكر بالرئاسة لأنها مسؤولية كبيرة وعلى النساء العمل أكثر (الجزيرة)
لعبيدي: لم أفكر بالرئاسة لأنها مسؤولية كبيرة وعلى النساء العمل أكثر (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

وضعت تقارير دولية الجزائر في المركز الأول عربياً من حيث التمثيل النسائي بمجلس النواب قبل خمس سنوات، بنسبة 31.6%، حيث تجاوزت المعدل العالمي في المجالس المنتخبة والمقدرة بنسبة 22%.

ويعود وجود الجزائرية في البرلمان إلى أول مجلس تأسيسي غداة الاستقلال
عام 1962، حيث حضرت فيها مجاهدات أمثال بلميهوب مريم، بعزي صافية، ضريف زهرة، مشيس فاطمة، ومسلي فضيلة. وأصبحت المجاهدة زهور ونيسي أول وزيرة عام 1982 بتقلدها حقيبة الحماية الاجتماعية.

وسمحت تلك التجربة المبكرة للمشاركة السياسية ببروز المرأة في الهيئات المنتخبة والتنفيذية، حيث يحصي البرلمان الحالي 120 عضوة، دون احتساب مجلس الأمة، ناهيك عن عديد الوزيرات المتقاعدات، ورئيسات الأحزاب والجمعيات الوطنية، والناشطات الحقوقيات وكذلك الأكاديميات بسمعة دوليّة.

غير أن عدم رغبة المرأة في الترشح لرئاسة الجمهوريّة منذ الانفتاح الديمقراطي قبل ثلاثين عاما يعدّ مفارقة لافتة، حسب مراقبين. ولم تعرف الجزائر منافسة المرأة على منصب الرئاسة إلا في حالة واحدة مع السجينة لويزة حنون التي شاركت ثلاث مرات متتالية.

ومن بين 23 مترشحا اليوم في استحقاق 2019، سمحت السلطة المستقلة للانتخابات بمرور خمسة منهم للسباق، ليس بينهم امرأة.

وتثير القضية عديد الأسئلة حول أسباب العزوف النسوي عن الرئاسة، وعلاقته بالثقافة الاجتماعية السائدة والمناخ السياسي. لذلك تابعت الجزيرة نت الموضوع مع رموز نسائية وشخصيات عامّة وسجلت آراء مواطنين ومختصين.

حنون الوحيدة التي ترشحت لرئاسة الجمهورية ثلاث مرات متتالية (الجزيرة)

مسؤولية ثقيلة
وبهذا الصدد، قالت البرلمانية نعيمة صالحي، وهي رئيسة حزب العدل والبيان، إن تشكيلتها السياسية تسعى إلى "تقديم منتخبين في المجالس المحلية والوطنية لبناء أرضية صلبة نحو كرسي رئاسة الجمهورية، بتزكية مرشح تتوفر فيه صفات قائد لبلد بحجم قارة كالجزائر".

وأكدت للجزيرة نت أن حزبها قرر عدم المشاركة في رئاسيات 2019 بمرشحه الخاص حتى لا يتشتّت الوعاء الانتخابي للتيار السياسي الذي تمثله (النوفمبري الباديسي). وأوضحت أنّ غايتها السامية، كامرأة سياسية ترأس حزبًا، هي صنع رجال دولة لرئاسة الجمهورية وليس الترشح لهذا المنصب بالذات.

من جهتها، اعتبرت وزيرة الثقافة السابقة نادية لعبيدي أن مثل هذه المسؤولية لا ترتبط بالاختيار الشخصي وحده، لأن الظروف لها دور هام فيها.

وأضافت "لا أخفيكم أنني لم أفكر في الترشح أصلا لمنصب يتطلب كفاءات ومميزات عالية، وسبق لي، كوزيرة، أن أدركت حجم متطلبات المسؤولية، لاسيما في الظرف التاريخي الذي نعيشه".

وقالت للجزيرة نت إن دور النساء ناقص في السياسة والاقتصاد والعلوم والفنون، داعية إلى "العمل حتى يكون لهنّ مكان أكبر في المجتمع، عندئذ سوف يظهر ترشح امرأة للانتخابات الرئاسية كأمر طبيعي".

صالحي: غايتي السامية كرئيس حزب صنع رجال دولة لرئاسة الجمهورية وليس الترشح للمنصب (الجزيرة)

رفض وتأييد
وتباينت آراء النخبة والمواطنين من مسألة رئاسة المرأة، على الأقل في الظرف الحالي، حيث أكد الداعية علي عية أنه يحبذ أن يكون منصب الرئيس للرجل. وبرر موقفه بكون الإمامة الكبرى تقتضي الأمانة والقوة، بينما المرأة عاطفية بطبعها، وهناك مسؤوليات لا تليق بها. 

غير أن الكاتب محمد بوعزارة يختلف بالقول "إنها جديرة بأن تكون رئيسة بعد عجز الرجال". وسأل "إنْ ملّ الشعب من حكم الرجال الفاسدين، أليس جديرا به أن ينتخب امرأة من صنف حليمة يعقوب التي نقلت سنغافورة إلى قوة اقتصادية، فكيف نعجز عن انتخاب رئيسة بحجم هذه المرأة؟".

ونفى طالب الدراسات العليا فيصل عثمان وجود رجال سياسة، فما بالك بسياسيات مؤهلات لتولي مناصب قيادية أقل من الرئاسة. وقال إن الفعل السياسي رجولي بطبيعته ولا تقدر عليه الأنثى، لما فيه من حزم وشدة منافية لتركيبتها النفسية.

وشاطره الرأي الصيدلاني علاء الدين كنيوة، برفضه تولي المرأة مناصب حساسة "نظرا لعدم النضج السياسي ولتكوينها في المجتمع على أدوار محددة".

غير أن الطبيبة فتيحة حرطاني رحّبت بحكم المرأة، وقالت إن أصحاب النظرة الذكورية الضيقة هم الذين يريدون سجنها في البيت والمطبخ. كما دعت لمنحها الفرصة حتى تثبت حسن تسييرها وعدلها في حكم الدولة.

عية: أحبذ حكم الرجل لأن الرئاسة تقتضي القوة والمرأة عاطفية (الجزيرة)

نخب ذكورية
ويفسر الباحث بعلم الاجتماع ناصر جابي ظاهرة عدم اهتمام المرأة بالترشح للانتخابات الرئاسية لكون أغلبية المجتمع لم تهتم بالعمل السياسي في الظروف والشروط القائمة. 

وأوضح بأنّ الموقف من الانتخابات طغى عليه سابقا العزوف الوطني، حيث لم تحُز على الاهتمام إلا من فئات قليلة العدد، وظفتها كمصعد اجتماعي، وللتقرب من سلطة الأمر الواقع، حتى لو دفعت ثمنا باهظا على المستوى الأخلاقي والقيمي، لما يعتري العملية السياسية من ممارسات قد لا تستطيع المرأة القبول بها، كما يفعل بعض الرجال.

وأضاف جابي أن المرأة كانت غائبة عن الحزب السياسي الذي كان يمكن أن يؤهلها للاهتمام بالعملية الانتخابية الرئاسية أو المحلية.

وتابع أن الحزب تسيطر عليه عصب ذكورية تخاف من المرأة المتعلمة، والتي يمكن أن تزاحم الرجال داخله، اعتمادا على قواعد لعبة سياسية جديدة أنظف أخلاقيّا وقيميا.

وبخصوص رد فعل المجتمع، قال جابي إنه لم يعترض على من ترشحت من النساء لكل المناصب، بما فيها رئاسة الجمهورية، باعتبارهن نساء، فهو يقبل أو يرفض على أساس البرنامج السياسي وليس الجنس.

وأشار إلى أن أغلبية الجزائريين من الشباب المتعلم والساكن في المدن الكبرى والمتوسطة، وقد رحّب باحتلال المرأة للكثير من المواقع القيادية والهامة، كالقضاء والوزارة والمحاماة وغيرها.

وختم بالقول إن المجمع في بعض أوجهه أكثر تطورا وعصرية في نظرته للمرأة من بعض النخب الذكورية المسيطرة على الأحزاب والعملية السياسية برمتها.

المصدر : الجزيرة