زواج الأطفال وبيوت الدعارة.. أزمة البشرية جمعاء في بنغلاديش

غالبية الفتيات رفضن قبول حياة العنف والاعتداء الجنسي الذي وجدن أنفسهن مجبرات على خوضه (غيتي)
غالبية الفتيات رفضن قبول حياة العنف والاعتداء الجنسي الذي وجدن أنفسهن مجبرات على خوضه (غيتي)

أجبرت بابيا أولا على الزواج في سن الـ12، ثم أصبحت ضحية للاستبعاد الجنسي بعد الاتجار بها. وقصة بابيا ليست غريبة، عاشتها عشرات آلاف الفتيات البنغاليات، مما يسلط الضوء على وجود صلة بين زواج الأطفال والاتجار بالجنس الذي يصعب تجاهله.

وفي تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، قالت الكاتبة كورين ريدفيرن إن بنغلاديش تُسجل أعلى معدل زواج لفتيات دون سن الـ15 بالعالم، ويجري الاتجار بحوالي 200 ألف طفلة وشابة للدعارة. وزواج الأطفال يجعل فتيات مثل بابيا عرضة للخطر بالمقام الأول.

استعباد جنسي
قابلت الكاتبة أكثر من 400 امرأة محاصرة خلف جدران أربعة بيوت دعارة منذ مارس/آذار 2017. ورغم أن قانون منع زواج الأطفال لعام 1929 في بنغلاديش يحظر على الفتيات الزواج دون سن الـ18، فإن نصف الفتيات اللاتي تحدثت معهن تزوجن قبل سن الـ18 عاما، ويعتقدن أنهن تعرضن للاستعباد الجنسي.

وزارة الخارجية الأميركية تنظر للاتجار بالبشر وزواج الأطفال في بنغلاديش كظاهرتين منفصلتين، والمبادرات المتعلقة بالقضاء على كلتيهما منفصلة نتيجة لذلك. وبينما يجري التعامل مع زواج الأطفال من قبل المنظمات غير الربحية عبر الضغط والتثقيف كأداة لمكافحة المشكلة، تتركز جهود مكافحة الاتجار بالبشر على الإنقاذ وإعادة التأهيل ومقاضاة الجناة.

وبابيا كانت لا تزال محاصرة ببيت دعارة في قرية كانديبارا عند التقاء الكاتبة بها لأول مرة في مارس/آذار 2017. هربت من منزل زوجها (22 عاما) حافية القدمين في منتصف الليل لئلا توقظه، ورصدت سائق عربة نائما بجانب الطريق وطلبت منه المساعدة لكنه قادها لبيت دعارة وباعها بأموال أكثر مما يجنيه في شهر.

وزارة الخارجية الأمريكية تنظر للاتجار بالبشر وزواج الأطفال في بنغلاديش كظاهرتين منفصلتين (غيتي)

تهريب أطفال
منذ ذلك الحين، بقيت بابيا البالغة 17 عاما حاليا محاصرة بإحدى قرى الدعارة القانونية في بنغلاديش. ويشار إلى أن كل قرية تستعبد حوالي 3 آلاف امرأة وفتاة قاصرة، يُغتصبن 11 أو 12 مرة يوميا.

يقول مدير حماية الطفل وإدارة حقوق الطفل في دائرة الخدمة المدنية الدولية في بنغلاديش، عبد الله المأمون، إنه يتلقى تقارير عن تهريب أربعة أو خمسة أطفال إلى أكبر بيت دعارة في البلاد شهريا.

جميع الفتيات ببيت الدعارة جئن رغما عنهن، بعضهن باعهن أزواجهن لتحرير أنفسهم من دور الحاضن وكسب حوالي 3500 دولار، بحسب الكاتبة. لكن غالبية الفتيات رفضن قبول حياة العنف والاعتداء الجنسي الذي وجدن أنفسهن مجبرات على خوضه باسم الزواج، وكن على استعداد للمخاطرة بحياتهن هربا منه.

يمسك المتاجرون بعدد منهن أثناء محاولتهن العودة للمنزل، بينما تعبر أخريات حقول الأرز وخطوط السكك الحديدية لترفضهن عائلاتهن بسبب العار الاجتماعي الذي يصاحب ابنة تهرب من حياة الاستغلال. وفي غضون أيام، عندما يكن بمفردهن في محطة الحافلات أو محطة القطار يقدم رجل أو امرأة المساعدة ومكانا للإقامة خلال الليل لكل فتاة، ثم تخدر وتباع لبيت الدعارة.

 بعض فتيات الدعارة باعهن أزواجهن لكسب حوالي 3500 دولار (غيتي)

الاتجار بالبشر
وتعمل الرابطة الوطنية للمحاميات في بنغلاديش على تقديم المساعدة القانونية والمأوى للنساء المعتدى عليهن في أنحاء بنغلاديش منذ عام 1979. وازداد تمويل مكافحة الاتجار بالبشر منذ عام 2017، ولكن قليل من الدعم يتوفر لحالات العنف المنزلي.

ورغم الأدلة التي تثبت أن زواج الأطفال يُمهد للاتجار بالجنس، فإنه يجري تجاهل هذه العلاقة. وتعتقد المنظمات المحلية غير الربحية أنه إذا أخذ مكتب وزارة الخارجية الأميركية لمراقبة ومكافحة الاتجار بالأشخاص زواج الأطفال بعين الاعتبار عند تقييم الاتجار بالبشر في بنغلاديش، يحتمل توسيع مبادرات مكافحة الاتجار بالأشخاص لتستهدف العرائس دون السن القانونية.

ومنذ 2001، زعمت الولايات المتحدة أنها تُحمل البلدان الأجنبية ذات الدخل المنخفض والمتوسط مسؤولية إخفاقها بتطبيق تدابير مكافحة الاتجار بالبشر المنصوص عليها في قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر لعام 2000. عبر تقييم سنوي للاستجابة للاتجار في 187 دولة وتصنفها لأربعة مستويات.

تُصنف البلدان التي لا تبذل جهودا كافية لمكافحة الاتجار بالبشر ضمن المستوى الثالث وتخضع لعقوبات تشمل منع المساعدات الأميركية المقدمة لحكوماتها. ويُطلب من وزارة الخارجية الأميركية بموجب القانون أن تعمل مع تلك الدول لتطوير إستراتيجية فعالة لمكافحة الاتجار بالأشخاص. وصُنفت 21 دولة في تقرير هذا العام ضمن المستوى الثالث، وحصلت بنغلاديش للعام الثالث على التوالي على تصنيف "قائمة المراقبة من المستوى الثاني" كما رافقته 13 توصية بالتحسين.

 زواج الأطفال يعتبر من أشكال الاتجار بالأشخاص أو يؤدي إليه (غيتي)

زواج الأطفال
وتدرك وزارة الخارجية آثار الزواج المبكر على سلامة الفتاة، واعتبر تقرير العام زواج الأطفال عاملا مساهما بتعرض الفتيات للاستغلال الجنسي والاتجار في سوريا والعراق. ويقول المدافعون عن حقوق الإنسان إنه إذا نظرت وزارة الخارجية لزواج الأطفال في بنغلاديش كشكل من أشكال الاتجار أو تمكين الاتجار، فمن الممكن أن تتلقى البلاد توصيات مختلفة أو حتى درجة مختلفة.

ووفقا لرئيسة مشروع ويروك الدولي لمكافحة الاتجار بالأشخاص "تقول الولايات المتحدة إن هناك 25 مليون ضحية عالمية للاتجار بالبشر، في حين أن معظمنا سيُدرج الزواج القسري بذلك ويقول هناك 40 مليون ضحية"، فحكومة بنغلاديش تأخذ تقرير الاتجار بالبشر على محمل الجد. لكنها لا تعرف سبب رفض الولايات المتحدة اعتبار زواج الأطفال شكلا من أشكال الاتجار بالأشخاص.

وأفادت مديرة برنامج منظمة "حرر الفتاة" الهولندية لمكافحة الاتجار غير الربحية، بأن تمويل البرامج التي تتناول زواج الأطفال كسبب رئيسي للاتجار سيكون أسهل أيضا. ولا تدير هذه المنظمة حاليا أي مشاريع لمكافحة الاتجار بالبشر، لعدم توفر الموارد.

وترى الكاتبة أن على وزارة الخارجية الأميركية الاعتراف بدور زواج الأطفال في معدلات الاتجار في بنغلاديش، وإلا ستبقى الفتيات محاصرات يتطلب منهن إما البقاء مع أزواجهن وتحمل العنف الجنسي باسم الزواج، أو الهرب والمخاطرة ببيعهن ليكن ضحايا الاستعباد الجنسي دون أمل بالهرب.

المصدر : الصحافة الأميركية