كيف ولماذا قررت شابة تونسية تعليم اللغة الإنجليزية للصم؟

تشرف منال على متابعة تعليم لغة الإشارة لجميع الطلاب والطالبات في الصف (الجزيرة)
تشرف منال على متابعة تعليم لغة الإشارة لجميع الطلاب والطالبات في الصف (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

وسط ضوضاء السوق المركزية وهتافات الباعة ومنبهات السيارات، تنطلق منال برقاوي أستاذة اللغة الإنجليزية تحث الخطى على طول طريق ابن سينا بالعاصمة تونس نحو جمعية صوت الأصم وكأنها تهرب من عالم مليء بالضجيج إلى عالم يسوده الهدوء.

منال شابة تونسية اختارت تعليم اللغة الإنجليزية لفئة الصم والبكم تطوعا لتكون بذلك أول أستاذة "للغة الإشارة التونسية" لتعليم اللغة الإنجليزية في تونس وفي شمال أفريقيا، تقول إنها اختارت هذه الفئة لتوصل لهم اللغة الأولى في العالم وتمكنهم من التواصل مع الجميع داخل البلاد وخارجها.

ما أن تلج باب القسم حتى يتدافع الطلاب نحوها فرحين بقدومها فيتبادلون التحية بلغة الإشارة التي تترجم أحاسيس ومشاعر نبيلة تنطقها ملامحهم البريئة ومن ثمة يتوزعون في نظام على مقاعدهم في انتظار ابتداء الدرس الجديد.

ترفع منال يديها إشارة لتشجيعهم أكثر (الجزيرة)

اللبيب بالإشارة يفهم
"عندما أكون معهم أنسى العالم الخارجي وكأننا في عالم آخر". بهذه الكلمات عبّرت منال للجزيرة نت عن مدى سعادتها بتدريس هذه الفئة التي تقول إنها لا تزال مهمشة رغم أن عددهم في تونس ليس بالقليل، فقد بلغ 200 ألف شخص، حسب الإحصائيات الرسمية.

تعتبر منال مدافعة شغوفة عن الصم، وهي ناشطة فاعلة منذ 2012 في جمعية صوت الأصم، تقول إنها تعلمت لغة الإشارة خصيصا لتفهم لغتهم وتتواصل معهم، ومن ثمة راودتها فكرة تعليمهم اللغة الإنجليزية.

وأضافت "قررت تعليم اللغة الإنجليزية للصمّ نظرا لأنهم لا يحظون بتكافؤ الفرص في التعليم حيث يقتصرون فقط على تعلم اللغة العربية".

لم تقتصر منال على تعليم اللغة الإنجليزية بالإشارة فقط، بل ألفت كتاب "لنتعلم الإنجليزية بلغة الإشارة"، وهو أول كتاب إنجليزي خاص بالصم في المنطقة، كما ساهمت في ابتكار تطبيق يحمل اسم "لاتس" (let s)، وهو أول تطبيق إلكتروني للصم وذوي الصعوبات السمعية في تونس لتسهيل عملية التعلم في كافة المحافظات.

تصحح منال أخطاء طلابها كل على حدة (الجزيرة)

أنامل ناطقة
تحاول منال جاهدة إيصال المعلومة لطلابها كتابيا ولاقت تجاوبا سريعا منهم خاصة مع الصور المرفقة بالتمارين التي وضعتها في كتابها، إلا أن التجربة لا تخلو من صعوبات، ففهم مقصود كل واحد منهم واجب ليس بالهيّن خاصة أن طريقة تفكيرهم مختلفة عن الناطقين.

أما عن التواصل فيما بينهم فتقول منال "هم يفهمون لغة بعضهم بعضا وأحيانا يختلفون في بعض الإشارات مع كبار السن الذين تعلموا لغة إشارة قديمة فتكون محور حديثهم وجدلهم طيلة ساعات".

ولا يقتصر طلابها على تعلم اللغة فقط، بل إنهم مبدعون في الفنون أيضا، فنبيل اختار الرقص هواية وأتقنه فجسده يتحرك على نغمات دقات قلبه وإحساسه الفني الذي خلقه داخله، أما إيمان فقد اختارت المسرح وأبدعت في تقمص أدوار صامتة.

يسمعون بأعينهم ويعبرون بأناملهم، وقد نجحوا في فك شفرات العالم المحيط بهم رغم صمتهم، ويحاولون جاهدين الالتحاق بركب الناطقين ومنافستهم في التواصل والتعلم رغم الصعوبات الجسيمة التي تعترضهم، وخير مثال على ذلك العلامة مصطفى صادق الرافعي الأصم الذي أسمع الدنيا بقلمه وهو صاحب مقولة "يجعل الله الهموم مقدمات لنعم مخبوءة".

كتاب منال يحتوي صورا توضيحية لمساعدة الطلاب على الفهم (الجزيرة)

 

المصدر : الجزيرة