تونسيات ناجيات من سرطان الثدي يروين تجاربهن في التعافي

رئيسة جمعية مرضى السرطان روضة زروق (الجزيرة)
رئيسة جمعية مرضى السرطان روضة زروق (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-تونس

على بعد أمتار من مستشفى صالح عزيز لمعالجة السرطان في تونس العاصمة، تستقبل رئيسة جمعية مرضى السرطان روضة زروق والابتسامة تعلو محياها زائراتها القادمات من مختلف أنحاء البلاد طلبا ليد العون.

انطلقت قصة روضة سنة 2000 تاريخ اكتشافها بالصدفة إصابتها بسرطان الثدي، وهو تاريخ غيّر مجرى حياتها رأسا على عقب.

ورغم نزول الخبر عليها كالصاعقة فإنها التزمت الهدوء ولم تظهر انفعالاتها على عكس عائلتها التي تأثرت كثيرا وأظهرت مشاعرها الحزينة، ولكن في نفس الوقت وقفت إلى جانب روضة وشجعتها على مقاومة هذا الداء.

تقبّل المرض
تذكرت روضة تلك الفترة المؤلمة من حياتها، إذ جلست مع نفسها رافضة مشاعر الشفقة والهزيمة والاستسلام من محيطها الخارجي وقررت تقبل الواقع والرضا به، وطلبت من الله منحها القوة لمجابهة هذا المرض فاستجاب لها.

سارعت روضة إلى إجراء وإتمام كل الفحوصات المتعلقة بعلاج سرطان الثدي من عمل صورة الماموغرافي إلى العمليات الجراحية فإلى العلاج بالأشعة، وهي المرحلة الأكثر إيلاما وتأثيرا في معنويات وجسد المصابات بهذا الداء.

تقول روضة "لم أنتظر حتى يتساقط شعري جراء العلاج بالأشعة، وقررت أن أبادر أنا وقصصته بمحض إرادتي، فكانت المفاجأة والمعجزة حيث لم يتساقط كما كان منتظرا".

الجمعية تنظم احتفالات للترفيه عن مريضات السرطان المقيمات بالمقر (الجزيرة)

الجمعية الملجأ
منح الإيمان والإرادة القويان روضة رغبة جامحة في مساعدة الآخرين، فأسست سنة 2005 مع مجموعة من الأطباء جمعية للعناية بمرضى السرطان، لتقرر عام 2015 تأسيس جمعيتها الخاصة "حتى تفجر طاقتها الكامنة داخلها" حسبما تقول.

نجاحها في هزيمة سرطان الثدي شجعها خلال ستة أشهر على إحداث مبيت داخل مقر الجمعية لاستقبال النساء المصابات القادمات من مسافات بعيدة جدا للإقامة واللاتي يعشن أوضاعا اجتماعية واقتصادية قاسية، فذاع صيت الجمعية وأصبحت ملجأ لمن لا ملجأ لهن.

الجمعية توفر أماكن إقامة للمريضات القادمات من مدن بعيدة (الجزيرة)

وتوفر الجمعية للمصابات بسرطان الثدي الأدوية وبعض الأجهزة الطبية وتحل مشاكلهن الإدارية مع مستشفى صالح عزيز، وتقدم لهن تكاليف التنقل، إضافة إلى الأنشطة الترفيهية والحرف اليدوية التي يتعلمنها في المقر، وتساعدهن على البدء في تأسيس مشاريع صغرى إثر استكمال العلاج.

كما تركز على الجانب النفسي، حيث توفر لهن اختصاصية في علم النفس لنصحهن ومساعدتهن على التغلب على مشاعر اليأس ولترغيبهن في الإقبال على الحياة وقبول العلاج.

وتشدد روضة على أن عمل الجمعية لا يقتصر على أكتوبر/تشرين الأول فقط، فالسنة كلها وردية حيث تنظم خلالها القوافل الصحية والحملات التوعوية بضرورة الفحص المبكر لسرطان الثدي.

المتعافية من السرطان ألفة بن يحمد (يمين) (الجزيرة)

غياب الوعي
تسجل تونس سنويا قرابة 3000 حالة إصابة جديدة بسرطان الثدي، ولا تتجاوز نسبة الناجيات نهائيا من هذا الداء 50% مقارنة بالبلدان المتقدمة التي تبلغ فيها النسبة 80%، وفق المختص في علم الأورام الدكتور فرحات بن عياد.

وعزا بن عياد في تصريحه للجزيرة نت ارتفاع عدد المصابات بهذا المرض إلى عدم وعي نساء الريف وعدم عنايتهن بأنفسهن بإجراء الفحص المبكر وحتى نقص إحاطة الدولة بهن.

وانتقد الدكتور بن عياد -الذي يرأس منذ سنة 1987 الجمعية التونسية لمكافحة السرطان- قلة مراكز العناية بمرضى السرطان ونقص الأدوية المتطورة لعلاج هذا الداء، داعيا وزارة الصحة إلى الوعي بهذا النقص وتجاوزه.

يأس يتبعه أمل
قبل تعرفها على جمعية مرضى السرطان لم تكن "ألفة" لتكن ما هي عليه الآن، فمنذ اكتشافها بالصدفة عام 2015 إصابتها بسرطان الثدي دخلت في منحى خطير وحالة يأس، وهي الأم لطفلين، كما أن والدتها توفيت جراء هذا الداء.

تملكها في البداية شعور كبير بالخوف وتخيلت نهاية مأساوية لنفسها، لكن وقوف عائلتها خلال مراحل العلاج إلى جانبها جعلها تقرر المقاومة للنهاية.

خلال فترة علاجها في مستشفى صالح عزيز علمت بالجمعية وهي كانت بحاجة ماسة وعاجلة إلى الإحاطة النفسية للوقوف على قدميها، حيث لم تتقبل في البداية التغيرات التي حصلت على جسدها من تساقط الشعر وفقدان الوزن ونقص البصر.

إحدى زائرات الجمعية تمارس الرياضة (الجزيرة)

لا للاستسلام
تقول ألفة بن يحمد للجزيرة نت "لقد دخلت إنسانة كئيبة مستسلمة وخرجت إنسانة قوية محبة للحياة، لقد ساعدني كثيرا الجلوس والحديث مع مصابات مثلي وفجرت طاقاتي في ورشة الرسم وصنع الإكسسوارات، وبنجاحي في هزيمة هذا الداء أصبحت مشرفة على الورشة".

أخذت ألفة كناجية من هذا الداء على عاتقها تعميم تجربتها وتوعية المصابات بسرطان الثدي بأهمية العلاج وعدم الاستسلام للمرض واليأس.

الإيمان والصبر
"يجب أن تكوني مؤمنة وشجاعة وصبورة لهزيمته" بهذه الكلمات لخصت نادية هزيمتها لسرطان الثدي التي اكتشفت إصابتها به عام 2009.

خلال اكتشافها إصابتها ظلت نادية بالسرور (58 سنة) لمدة ساعة كاملة تحت الماء في بيت الاستحمام تفجر بركان حزنها بالبكاء حتى لا يستمع أفراد أسرتها لآهاتها

لم تتقبل عائلتها الخبر ولكنها لم تتركها تصارع هذا المرض بمفردها، خاصة زوجها الذي كتم حزنه داخله، وكان له الفضل في تجاوز نادية أحلك فترات العلاج بالأشعة والتغيرات الجسدية التي حدثت معها وتقبلها وأحبها كما هي، كما تقول للجزيرة نت.

وصل الحديث الإيجابي عن جمعية مرضى السرطان إلى مسامع نادية، فقررت الذهاب سنة 2012 للاكتشاف فوجدت راحتها النفسية وتكونت شخصيتها القوية التي هزمت هذا الداء كليا.

خرجت نادية من عزلتها وأصبحت متصالحة مع نفسها وهزمت سرطان الثدي نهائيا، وصار همها الوحيد مشاركة زميلاتها المصابات في الجمعية المشاعر الإيجابية، فكثفت حضورها وطورته إلى الفعل بالمشاركة في التظاهرات التوعوية والمساعدة على حل مشاكل المصابات الإدارية.

تشترك الناجيات من هذا الداء في أن الإصابة به ليست نهاية الحياة، وأن الفحص المبكر هو الضامن للنجاة وللتغلب عليه.

المصدر : الجزيرة