هكذا تحارب سرطان الثدي.. جزائرية تتفرغ للعمل التطوعي زادها 13 آلة خياطة

رازي مليكة رئيسة جمعية الرحمة لمساعدة مرضى السرطان في الجزائر تقهر المرض بطريقتها (الجزيرة)
رازي مليكة رئيسة جمعية الرحمة لمساعدة مرضى السرطان في الجزائر تقهر المرض بطريقتها (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

في غرفة العمليات الجراحية بالمستشفى الجامعي الشهير "مصطفى باشا" في العاصمة الجزائرية، نذرت رازي مليكة نفسها لتكريس ما بقي من حياتها لخدمة مرضى السرطان في بلادها، إن هي نجت من قبضة المرض الخبيث.

عام 2004، كانت صاحبة القصّة في ريعان الشباب، لم تتجاوز عقدها الثالث، تعيش حياتها الآمنة بفرح غامر وسط أسرتها، رفقة زوجها "عبد الحميد" وأبنائها الخمسة، آخرهم طفل رضيع، قبل أن تكتشف فجأة إصابتها بداء السرطان.

نزل الخبر كالصاعقة على محيطها الاجتماعي، مثلما اهتزت "مليكة" التي عرفت من نفسها البأس والقوة قبل تشخيص الداء، غير أنها سرعان ما استعادت رباطة الجأش بدعم كبير من زوجها، إلى درجة صارت فيها واثقة من التعافي عاجلا أو آجلا واستئناف حياتها السعيدة.  

معاناة 
وقالت "مليكة" -وهي تروي معاناتها للجزيرة نت- إنّ معركة تحدّي الداء القاتل في نظر المجتمع لم تكن سهلة عليها ولا على عائلتها طيلة ثلاث سنوات، قضتها في رحلات الذهاب والإياب، بين المستشفيات والعيادات لمتابعة الفحوصات والتحاليل والعلاج والعمليات، بسبب ضعف وسائل العلاج الطبي في الجزائر قبل 15 عامًا.

وزاد الغياب الكامل حينها للجمعيات الأهليّة من تعقيد الأمور، والتي كان يمكن أن ترافقها نفسيّا على الأقلّ في مواجهة تجربة أليمة وغير مسبوقة لديها، حيث وجدت نفسها وحيدة، لا تحيطها سوى أسرتها الضيّقة، وهو ما سيكون له تأثير قوي في قرارها بخوض العمل التطوعي لاحقا.

وتشاء الأقدار أن تكون "ياسمين" (فتاة في 26 من عمرها، رافقتها في الغرفة الطبية لفترة طويلة) هي الحالة الأولى لانخراط "مليكة" في خدمة مرضى السرطان، فقد كانت شقيقة الفتاة وأمها تتنقلان مسافة 250 كلم من منطقة القبائل خلال كل زيارة.

جزائريات ينتظرن دورهن في الفحص المبكر لجمعية الرحمة بمنطقة جبلية نائية (الجزيرة)

ميلاد
تستحضر "مليكة" بتأثر كبير معاناة رفيقتها، فتسبق عبراتها عباراتها، وتكشف أنّها قررت بالتشاور مع زوجها حول إيواء تلك العائلة في مسكن قريب لها، لكن الأجل لم يمهل "ياسمين" فتوفيت بعد صراعها مع المرض.

بعد 36 شهرًا وثلاث عمليات جراحية، وقفت مليكة على رجليها، وعادت أقوى وأكثر إصرارا على محاربة السرطان بطريقتها الخاصّة، فكان غلق معملها أول قرار توقّعه، لتتفرّغ للعمل التطوعي، بعدما كانت ورشاتها تشغّل 13 آلة خياطة.

بذلت ست سنوات من وقتها الثمين في العمل الفردي لمساعدة المرضى، تنتقل إلى المستشفيات وترافق المُصابين وفق تجربتها الذاتية، قبل أن يشير عليها الأطباء الجامعيّون بإطلاق هيئة خيريّة لتثمين جهودها، فكان ميلاد "جمعية الرحمة" عام 2013.

حكايات
وللوقوف على آثارها الإنسانيّة، توجهنا إلى ليلى ربّة البيت الخمسينية التي أجبرها الفقر عام 2017 على الاستسلام للسرطان، قبل أن تنتشلها الجمعية.

وقالت ليلى للجزيرة نت إنها أقامت مع عائلة "مليكة" في بيتها 12 شهرًا دون انقطاع، لم تغادره إلا إلى المستشفى، حتى تعافت كليّا، وهي اليوم تدين بالفضل لجمعية الرحمة في إنقاذها من الموت المحقق، حسب تعبيرها.

كما قابلنا سهام التي رافقت والدتها العجوز عام 2016 لأجل الفحص المبكر لسرطان الثدي في أحد نشاطات الجمعية، غير أن الطبيبة أقنعتها هي الأخرى بضرورة الفحص، بعدما راودتها شكوك حول سلامتها، لتكتشف أنها مصابة.

كانت صدمة "سهام" كبيرة، فهي تستعدّ للزواج بعد شهر واحد، غير أنّ الجمعية ساندتها في محنتها طيلة عامين، حتى تماثلت للشفاء وأكملت فرحتها بالزفاف من خطيبها الوفيّ.

رازي تزور جناح الأطفال لمرضى السرطان في أحد المستشفيات (الجزيرة)

مبادرات
وقصص "الرحمة" أكثر من أن تحصى، فقد صارت خلال خمس سنوات من النشاط عنوانًا لمرضى السرطان في الجزائر، في رصيدها أكثر من 15 ألف فحص مبكر لفائدة سكان المناطق النائية والفقيرة، ناهيك عن المساعدات المادية والطبية والنفسية والمبادرات التوعويّة، وحلمها اليوم تشييد "دار الإيواء" لضيافة ذوي المرضى.

المصدر : الجزيرة