لبنانية تفتح أبواب بيتها للفقراء تحت عنوان "أنا كمان جعت"

ريتا: أتكفل بآلاف العائلات وأقوم بإعداد أطباق شعبية متنوعة للمحتاجين (الجزيرة)
ريتا: أتكفل بآلاف العائلات وأقوم بإعداد أطباق شعبية متنوعة للمحتاجين (الجزيرة)

لاريسا صليعي-بيروت

لبنانيون من كل المناطق سواء من طرابلس وبيروت، ومن الجبل والجنوب، يقصدون هذا البيت المتواضع الذي أستأجرته صاحبة القلب "الصادق" ريتا بولس ووهبته للإنسانية وخدمة المحتاجين، بعد أن أصبح عنواناً شهيراً يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

صاحبة الفكرة أم لثلاثة أولاد، فتحت أيضاً صفحة إلكترونية على موقع "فيسبوك" كي تستقطب أكبر عدد من الخيرين الذين يرغبون بمشاركتها هذا الطريق الذي تسميه "طريق السما".

جاءتها الفكرة إثر إصابتها بالمرض ومعاناتها معه لمدة 12 عاماً، وبعد سنين من العذاب، تخلصّت من المرض. ولأنها ما استطاعت نسيان أنها في يوم ما جاعت واحتاجت، صارت حياتها متمحورة حول مد يد العون لمساعدة الناس وتخفيف وجعهم.

 "طريقنا السما" تتمنى الوصول لمرحلة لا يبقى جائع في لبنان (الجزيرة)

أنا كمان جعت
تروي ريتا قصتها بحرقة قلب "يومها تعذبت كثيراً لتأمين لقمة العيش لأولادي الثلاثة، ولي طبعاً. وبعد أن انتهى علاجي، ولأنني (أنا كمان جعت) اتخذت قراري باستئجار هذا المنزل، وفتح أبوابه مجاناً أمام كل محتاج".

مشوارها بدأ من منشور على فيسبوك أسمته "أنا كمان جعت.. طريقنا السما" لتوسع نشاطها، واستأجرت بيتاً وألصقت عليه عبارة "خي الإنسان هيدا البيت لكل جوعان لكل محتاج، لكل عريان، لكل مريض، أنا كمان جعت".

والآن تتكفل بآلاف العائلات وتقوم بإعداد وتأمين ما يلزم من المؤونة والوجبات وحتى البطانيات والألبسة وكذلك الأسرة. وتقدم أطباقاً لبنانية شعبية معروفة كالمحاشي، اليخاني، الدجاج مع الأرز، المقالي، البرغل مع البندورة، المجدرة، وغيرها.

وهي أكلات تحضر منها نوعين على الأقل يومياً فيأخذها المحتاج مع صحن سلطة وفواكه، وكأنه يتناول الطعام في بيته تماماً. فالفكرة ترتكز على تأمين لقمة عيش مصنوعة بأيادي ربات منزل يحضرنها تماماً كما في بيوتهن بنفس النكهة والدقة والتفاني.

 

حلم "طريقنا السما"
وتشير ريتا أن حلم بيت "طريقنا السما" جمع عدد كبير ممن يشعرون بوجع وجوع الآخر فـ "لم أكن أتوقع أن يقصدني يومياً نحو مئتي شخص ليأخذوا زوادتهم من أطباق الطعام التي أحضّرها مع مجموعة من ربات المنازل، وغالبيتهن من جاراتي. ومن ثم كبرت هذه المبادرة بفضل كثيرات يأتين من مختلف المناطق اللبنانية كمتطوعات لهذا العمل".

ويجتمع تحت سقف هذا المنزل يوميا متطوعات ومتطوعون، من نساء ورجال وصبايا وشباب من كل أنحاء لبنان، ليساهموا بمساعدة المحتاجين من خلال بيت أبوابه مشرعة أمام كل جائع، ولم يحدث مرة أن تم صد محتاج.

مبادرة "أنا كمان جعت" تطورت بفضل متطوعات من مختلف المناطق (الجزيرة)

قيد التأسيس
ورغم أن فعل الخير لا يحتاج لطلب رخصة، فإن "أنا كمان جعت" جمعية قيد التأسيس، تطعم شهريا أكثر من ٣٥٠ عائلة، وتؤمن وجبات طعام لأفراد جائعين على الطريق، فضلا عن استقبال شتى أنواع المساعدات من ثياب وأدوية وغيرها لتوزيعها على المحتاجين.

فحلم بيت "طريقنا السما" جمع أناسا يحسون بوجع وجوع الآخر، لتنتقل رسالته لتصير تقليدا وعادة مرسخة بالعقول والقلوب، هدفه الأسمى أن يكبر ويتوسع ليخدم أكبر عدد من المحتاجين، ويتمكن من تأمين سقف لكل مشرد لينام تحته بكرامته.

تعيل نفسها بنفسها
وتوضح ريتا "بفضل أصحاب فندق خير في بدارو وشركات توزيع طعام أخرى توسع عملي الخيري هذا ليصبح بيت (أنا كمان جعت) جمعية بحد ذاته تعيل نفسها بنفسها من دون أي دعم من جهات رسمية".

وحالياً أصبح ملاذاً لمن لا سقف له يأويه من برد الشتاء وحّر الصيف. وصار يستقبل العشرات الذي خصص لهم الأسرة والفراش ليناموا بسلام. فالجميع هنا يعمل بجهد متسلحاً بحب الآخر ومساعدته دون أي مقابل. فإن "تدخل ولو (كمشة) فرحا إلى قلوب هؤلاء نشعر بأننا من أغنى الأغنياء" كما تقول ريتا.

وتنهي حديثها "هي طريق رائعة لمن يختارها، وأتمنى الوصول إلى مرحلة لا يبقى فيها أي لبناني جائعا. فنحن في هذا البيت نستطيع أن نؤمّن الطعام للمئات، ولو كانت الجمعيات التي تدّعي قيامها بواجبها تجاه المحتاجين تترجم رسالتها الإنسانية فعلياً على الأرض لكنّا أشبعنا كل اللبنانيين، وأنهينا معاناتهم مع الجوع من زمان".

المصدر : الجزيرة