أرض بلا رجال.. "القرية الملعونة" للنساء فقط في مصر

قرية السماحة المخصصة للأرامل والمطلقات (مواقع التواصل الاجتماعي)
قرية السماحة المخصصة للأرامل والمطلقات (مواقع التواصل الاجتماعي)

"السماحة" قرية لا تعيش بها سوى النساء، كانت ملاذا للأرامل والمطلقات، لحمايتهن من قسوة مجتمعاتهن، ولبناء حياة جديدة تليق برفع المعاناة عنهن، لكن الصورة الوردية تطل مطبوعة بكتب الحكايات الحالمة، فواقع هؤلاء أكثر قسوة مما تخيلن وتمنين حينما انتقلن لتلك القرية قبل سنوات.

في تقرير نشرته صحيفة "الموندو" الإسبانية، قال الكاتب فرانسيسكو كاريون إن فائزة إسماعيل من أوائل النساء اللاتي جئن للعيش في قرية السماحة التي تبعد بنحو 120 كيلومترا عن مدينة أسوان (جنوب مصر).

وتعج هذه القرية بالمنازل المتواضعة التي بنيت منذ حوالي ثلاثة عقود لتوفير حياة جديدة للنساء المطلقات والأرامل.

وأفادت فائزة بأنها جاءت إلى القرية منذ 18 سنة بعد أن توفي زوجها وكان برفقتها طفلان، وتابعت قائلة "لا أحد يستمع إلينا، نحن نشعر بالوحدة". وقد أجمعت بقية النساء اللاتي كن برفقتها على كلامها. وتقع القرية في منطقة صحراوية تبعد حوالي ألف كيلومتر عن القاهرة.

وأضاف الكاتب أن نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وضع في أوائل التسعينيات من القرن الماضي برنامجا رائدا لتوسيع الأراضي الصالحة للزراعة في بلد مكتظ بالسكان في حوض النيل.

من هذا المنطلق، أنشأ النظام المصري قرية السماحة في منطقة صحراوية كمشروع رائد مكرس لتجميع النساء العاجزات عن العيش بمفردهن. وتعتبر السماحة أول مقاطعة ريفية في مصر تدير شؤونها اليد العاملة النسوية بشكل كامل، حيث أكدت فائزة أن "الحكومة منحت النساء في القرية أراضي للزراعة والسكن".

صحراء قاحلة 
وأشار الكاتب إلى أن وزارة الزراعة منحت النساء حوالي ستة فدادين من الأرض (أي ما يعادل 2.4 هكتار) في ضواحي القرية، علما بأن هذه الهبة لم تكن أمرا مفيدا جدا بالنسبة للنساء. فهذه الأراضي كانت قاحلة ولم تُحرث مطلقا من قبل، لذلك كان ينبغي على نساء القرية بذل مجهود مضاعف للعمل فيها، خاصة في ظل المصاعب الاقتصادية التي يعشنها. وتعليقا على هذه المسألة، تقول فائزة "بدأنا العمل في الزراعة بموارد قليلة للغاية، وكان ينبغي علينا اقتراض أموال لشراء الأسمدة والمواد".

وأورد الكاتب أن القمح والقرنفل نبت في أراضي قرية السماحة بفضل المجهودات الجبارة التي بذلتها النساء في العمل. وقد حظرت الحكومة عليهن زراعة قصب السكر، لأن مدينة أسوان القريبة من القرية تنتجه بكثرة.

من ناحية أخرى، بقي مشروع قرية السماحة قائما بفضل الدولة وإرادة وتضحيات النساء إلى أن أصبحت المساعدات الحكومية شحيحة. وقد اقتصرت الخدمات العمومية التي توفرها السلطات لأهالي القرية على مدرسة صغيرة وغرفة فحص متواضعة لا تفتح أبوابها سوى في بعض أيام الأسبوع.

صرحت إحدى قاطنات القرية، تدعى ريم، "جئت إلى القرية منذ 15 سنة وقد أصبح الوضع اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه في السابق". وتعتبر ريم من بين النساء القلائل اللاتي وافقن على التحدث عن تجربة العيش في القرية، حيث أفادت "أنا أكسب قوتي من تربية الحيوانات والمهام الزراعية، ولكن الوضعية التي تمر بها القرية فظيعة". وتابعت ريم قائلة "نحن نفتقر للمياه الصالحة للشرب والوصول إلى الاستشارات الطبية فضلا عن محدودية خدمات التعليم في القرية". 

القرية دون مدارس
تستقبل المدارس ذات النوافذ المحطمة والسور المتداعي عددا قليلا من أطفال القرية. وعلى بعد أمتار قليلة من المدرسة، تنتصب لافتة باهتة اللون تشير إلى عيادة القرية التي غطيت نوافذها بألواح خشبية. من جهته، نوّه عبده العواد، وهو مدرس في مدرسة القرية، بأن "طبيبا واحدا فقط يزور القرية أيام الأحد والثلاثاء والخميس، وفي حال مرض أحدهم في يوم مغاير فلا يمكنه تلقي الرعاية الطبية اللازمة". وتابع عبده "هنا تموت النساء ببطء، فلا توجد أنابيب صرف صحي والماء يحتوي على نسبة كبيرة من الملح".

وأشار المدرس إلى أنه "ينبغي على نساء القرية إحضار الماء والطعام من المدن المجاورة، التي تبعد أقربها حوالي 10 كيلومترات عن القرية". تستطيع أغلبية النساء تهيئة واحد من بين ستة فدادين فقط، كما يحتجن إلى 120 ألف جنيه مصري (أي حوالي 6500 يورو) لاستصلاح الأرض بالكامل.

وتدير إحدى النساء عائلتها منذ خمس سنوات في القرية وقد ربت عددا من الحمير خلف منزلها، وحيال هذا الشأن قالت هذه المرأة "إنهم يقدمون لنا المال مقابل تربية الحمير هنا وتقديم الطعام لها".

وأوضح الكاتب أن قرية السماحة تعتبر رمزا للنساء اللاتي طلبن اللجوء في مواجهة مجتمع أبوي ومحافظ. ومن جانبها، قالت فائزة التي تعد الذاكرة الحية التي تختزل الكثير من أسرار هذا المكان إن "المسؤول عن القرية منذ سنوات يزورنا، وحين يسمع مطالبنا يجيبنا بأنه سوف ينظر في الأمر غدا، ودائما ما يؤجل رجاءنا بتحسين الوضع".

وأضافت فائزة "ترفض سيارات الأجرة المجيء إلى هنا، فالطريق ليس معبدا ونحن بعيدون عن كل شيء. ليس لدينا حتى الخدمات التي توفرها البلدات القريبة الأخرى".

وقد صرح المدرس عبده بأن "البرلمانيين الذين ادعوا أنهم يمثلوننا لم يعودوا إلى هنا من جديد، هؤلاء النواب ملتزمون بالتصفيق والموافقة على أي قرار وفقا للأوامر التي يتلقونها، نحن خارج كل شيء، هذا المشروع خراب".

المصدر : الصحافة الإسبانية