لغم في كل خطوة.. أفغانيات يسترجعن بلدهن بتمشيط الأرض

لايغا مرفت عضو في أول فريق نسوي مختص بإزالة الألغام في أفغانستان (فورن بوليسي)
لايغا مرفت عضو في أول فريق نسوي مختص بإزالة الألغام في أفغانستان (فورن بوليسي)

لايغا مرفت عضو في أول فريق نسوي مختص بإزالة الألغام في أفغانستان، مع 39 امرأة أخرى؛ وقد أسست دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام الفريق سنة 2018، بكلفة 450 ألف دولار.

وخلال شهر أغسطس/آب الماضي، بينما كانت مرفت (22 عاما) تمشط التربة الحمراء في إقليم باميان، شعرت أن جهاز كشف الألغام ضرب جسما معدنيا، وأدركت وجود لغم مضاد للأفراد يعود للحقبة السوفياتية، بحسب مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية للكاتبة كيرن هيندريكس.

وحتى الآن حظيت أربعون امرأة بتدريب على إزالة الألغام، وتخطط دائرة مكافحة الألغام التابعة للأمم المتحدة زيادة نطاق البرنامج وحجمه في السنوات القادمة، لكن في الوقت الحالي يعد احتمال توسيع البرنامج محدودا بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في أفغانستان.

مهنة جديدة مليئة بالتحديات
ويهدف البرنامج لتزويد النساء بالمهارات والتدريب لتطهير مجتمعاتهن من بقايا الحرب المميتة. وحتى في باميان الهادئة نسبيا -وهي مقاطعة تقع في المرتفعات الوسطى لأفغانستان- لا تزال الألغام الأرضية وغيرها من المتفجرات منتشرة، كما يتيح البرنامج للمرأة فرصة للخروج من دائرة الأدوار المنوطة بالجنسين الراسخة بعمق في أفغانستان، وتحقيق الازدهار بمهنة جديدة مليئة بالتحديات.

ومهنة إزالة الألغام تقدم للأفغانيات الاستقلال المالي، وقد فتحت الأبواب أمامهن لخوض مجالات متنوعة بما فيها القانون والأعمال. ودون تقديم برنامج إزالة الألغام مساعدات مالية لما أتيحت لهن هذه الفرص، فالأفغانيات يسعين لتحقيق أهدافهن بينما يحاولن إعادة الأمان لبلدهن.

جميلة (34 عاما) كبرى أعضاء الفريق وهي المعيلة الوحيدة لأسرتها وتجد وقتا لدراسة المحاماة (فورن بوليسي)

الأفغانيات مستبعدات من القوى العاملة
ورغم الادعاءات حول التقدم الذي أحرزته النساء الأفغانيات على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية، أمامهن عقبات كثيرة. ففي المناطق الريفية المحافظة تكافح المرأة يوميا للاعتراف بقيمتها ووجودها في صلب المجتمع الأفغاني، ولا تزال مستهدفة بالتحرش والتمييز.

ورغم أن دستور أفغانستان لسنة 2004 يقرّ بالمساواة بين الجنسين، فإن الواقع اليومي للنساء بعيد عن المساواة. ويبدو أن التغيير الذي طرأ على وضعية المرأة يسير بخطى بطيئة، حيث لا تزال الثقافة المحافظة السائدة تصنف المرأة على أنها مواطنة من الدرجة الثانية.

وداخل المراكز الحضرية الليبرالية نسبيا مثل كابول، وفي بعض المدن الاجتماعية الفريدة مثل باميان، لا تزال المرأة العاملة تمثل الاستثناء. وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب مؤخرا، أن نصف النساء الأفغانيات يرغبن بمغادرة البلاد إذا أُتيحت لهن الفرصة.

ووجد الاستطلاع ذاته أن الأفغانيات لا يملكن حرية اختيار ما سيفعلنه في مستقبلهن، وأن 80% منهن مستبعدات من القوى العاملة، وكثيرات منهن لم يشغلن وظيفة في حياتهن.

قصص نساء "الألغام"
التقدم الذي أحرزته النسوة في مجال إزالة الألغام مهم جدا، وتعد زارا عطائي (21 سنة) الصغرى في الفريق، وهي تعمل في إزالة الألغام منذ حوالي خمسة أشهر، وقد بدأت حياتها المهنية بعمر السادسة عشرة، حيث اضطرت للتنقل من منزل لآخر لتدريس مواد أساسية كالرياضيات والإملاء للأطفال الصغار.

ونظرا لأن والديها أميين، اضطرت للمساهمة في الشؤون المالية للأسرة من سن مبكرة. وعندما لم يتم اختيار والدها للعمل في مجال إزالة الألغام، قدمت طلب عمل في الفريق الخاص بالنساء الذي أنشئ حديثا.

راتب إزالة الألغام (400 دولار شهريا) يساوي أربعة أضعاف ما تجنيه من تعمل في المجتمع المدني، ويستحق تحمل الخطر الشديد الذي ينطوي عليه. ويدعم الوالد قرار ابنته ويفتخر بجهودها لإعالة أسرتها، مقرا بالمخاطر التي تنطوي عليها وظيفتها.

زارا فخورة بعملها الحالي، لكن لديها خططا لمستقبلها خارج حقول باميان الصخرية المفخخة بالألغام، فهي توفر المال للحصول على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال لتُطلق شركة تصميم ملابس خاصة بها.

زارا عطائي (21 سنة) الصغرى في الفريق، وتعمل في إزالة الألغام منذ حوالي خمسة أشهر، ويبدو والدها في الصورة (فورن بوليسي)

الأفغانيات.. طموحات كبيرة
ولدى العديد من النساء الأخريات المشاركات في فريق إزالة الألغام قصص مشابهة تتعلق بالمسؤولية التي تقع على عاتقهن فيما يخص دعم عائلاتهم بمفردهن، وفي الأثناء، يدرسن في مجالات أخرى يأملن في مواصلتها في المستقبل.

ومن بين أعضاء الفريق، فيزا رزاي، وهي أم لطفلين، تمول دراسات زوجها في إحدى الجامعات في كابول، وجميلة (34 عاما) وهي الكبرى في الفريق والمعيل الوحيد لأسرتها المكونة من خمسة أفراد، ومع ذلك، تجد جميلة وقتا للدراسة في المساء بهدف أن تصبح محامية.

مزيلات الألغام.. نجاح باهر
وأفغانستان من أكثر الدول التي زرعت فيها الألغام، فبعد أربعة عقود من الصراع، هناك سبعمئة ميل مربع من أراضيها لا تزال ملوثة بالألغام والمتفجرات.

وفي 17 مايو/أيار 2019، انفجرت قنبلة عنقودية وراء مدرسة صغيرة في باميان، قتلت ثلاثة صبيان اكتشف مقتلهم بعد مرور 24 ساعة.

وفي 2018، قُتل أو أصيب حوالي 1400 أفغاني بسبب الألغام، وتضاعف الرقم ثلاث مرات منذ عام 2012.

ويمثل الأطفال 80% من الضحايا، وتشير التقديرات إلى أن المجتمع الدولي أنفق 1.5 مليار دولار على مشاريع إزالة الألغام على مدار السنوات الثلاثين الماضية، وحتى الآن لا توجد إلا مقاطعة واحدة فقط خالية الألغام، من أصل 34 مقاطعة.

تمسح النساء الأرض الصخرية بأجهزة كشف المعادن، وبحالة تأهب قصوى يبحثن عن البصمة المغناطيسية للغم أو شظية، وبمجرد العثور على جسم مشبوه، يثبن على ركبهن ويحفرن باستخدام مسبار معدني، ليتم تفجير الألغام وتجنب المزيد من الخطر؛ أربع نساء سيتدربن قريبا على هذا الجزء المهم من إزالة الألغام.

وتقدر الأمم المتحدة أنه بحلول أواخر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سيتم إعلان باميان رسميا مقاطعة خالية من الألغام، وسيزرع الأفغانيون الأراضي مجددا، وسيترك فريق إزالة الألغام مهامه للاضطلاع بدور أكثر أمانا، إذ سيسافرن للمقاطعات الأخرى لتدريب مجموعات جديدة من مزيلات الألغام.

الفريق النسوي حقق نجاحا باهرا ويعد خطوة باتجاه التغير الثقافي الذي قد يستغرق سنوات ليصل إلى المناطق التقليدية.

المصدر : الصحافة الأميركية