"إنها ثورتهن".. هكذا استُقبل اختيار نعمات خير رئيسة للقضاء في السودان

رئيسة القضاء في السودان (يمين) مع أعضاء مجلس السيادة الانتقالي بعد أدائها القسم (إعلام مجلس السيادة)
رئيسة القضاء في السودان (يمين) مع أعضاء مجلس السيادة الانتقالي بعد أدائها القسم (إعلام مجلس السيادة)

 مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

"إنها ثورتهن".. تحت هذا العنوان استقبل تيار واسع من السودانيين بارتياح اختيار قاضية المحكمة العليا نعمات عبد الله محمد خير رئيسة للقضاء، كأول امرأة تتولى هذا الموقع في السودان وحتى في العالم العربي. كما تعد من أوائل النساء الأفريقيات اللائي يصلن هذه الدرجة الرفيعة من المناصب.

وفي تغريدة نشرت أمس الجمعة، اعتبر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك تعيين رئيسة القضاء والنائب العام خطوة مهمة في سبيل تحقيق العدالة.

وقال "لا شك أن تعيين امرأة على رأس السلطة القضائية كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ السودان يأتي تأكيدًا لالتزامنا باتجاه تحقيق التغيير الشامل.. دائما ننظر إلى المستقبل، وكلنا أمل لتصبح شعارات ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة (حرية، سلام، وعدالة) واقعا نعيشه في بلادنا العظيمة".

النساء وثورة التغيير
ولعبت النساء دورا محوريا في ثورة التغيير التي أدت بعد نحو خمسة أشهر من بدايتها في ديسمبر/كانون الأول 2018 إلى الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير يوم 11 أبريل/نيسان الماضي، فكنّ حاضرات غالبا في المواكب السلمية.

كما نلن حظهن من الاعتقال والتنكيل والضرب بيد قوى الأمن التي كانت تحرص على فض التجمعات، وهو ما كان يمثل الدافع الأكبر للمرأة السودانية لمقاومة ظلم الحكام ومواصلتهم المستمرة للحط من قدرها وملاحقتها في الشوارع ومواقع العمل تحت ذريعة تطبيق قانون النظام العام.

وبعد تشكيل الحكومة الانتقالية في أغسطس/آب الماضي، تعالت الأصوات الناقدة لعدم تمثيل النساء في السلطة بما يتسق مع ما قدمنه من تضحيات جسام طوال أيام الثورة، حيث منحهن التشكيل الوزاري أربع حقائب وزارية من مجموع 19. كما تم تعيين سيدتين في مجلس السيادة، لكن ذلك لم يكن كافيا في نظر كثيرين، فجاء تعيين رئيسة القضاء إنصافا تستحقه نساء السودان.

حياة حافلة
تنحدر نعمات المولودة عام 1957 من منطقة الكاملين بولاية الجزيرة، لكن أسرتها من العوائل الأولى التي قطنت حي "المنشية" العريق بالعاصمة الخرطوم، فتلقت تعليمها الأولي بمدارس العاصمة قبل أن تلتحق بجامعة القاهرة-فرع الخرطوم.

بدأت أولى خطواتها في السلك القضائي عام 1983 كمساعدة قضائية، وتنقّلت بين المحاكم الجنائية والمدنية والأحوال الشخصية، ورُقيت إلى الدرجة الثانية فالأولى ثم إلى منصب قاضي استئنافات (قاضي مديرية) عام 2003.

وبين عامي 2009 و2014، شغلت منصب قاضي محكمة الاستئنافات في السلطة القضائية، قبل أن تُرقّى إلى قاضية محكمة عليا عام 2015.

وطوال سنوات عملها القضائي، تميزت نعمات بأداء مهني رفيع حسبما أكده زملاء رافقوها في رحلتها العملية.

ويؤكد القاضي السابق محمد الفاتح حضرة في حديث للجزيرة نت أن نعمات لم تُعرف بممارسة أي نشاط عام، كما أنها بلا انتماء سياسي، مضيفا "مولانا نعمات إنسانة عادية جدا وهادئة للغاية".

ولأن الانطباع ذاته كان سائدا لدى كثيرين فإن ظهورها في وقفات السلطة القضائية إبان احتجاجات ديسمبر التي أطاحت بحكم البشير مثل موقفا مفاجئا للجميع، ثم بدأت كتابة منشورات ناقدة للسلطة على صفحتها بموقع "فيسبوك"، أشهرها ذاك الذي نددت فيه بفض اعتصام القيادة العامة، مستهجنة العملية بشدة ومنتقدة ما يتعرض له شباب الثورة من قمع واعتقال وتنكيل.

السودانيات لعبن دورا محوريا في ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 (الأوروبية)

قاضية مجتهدة ومتميزة
ويبين محمد الفاتح أن نعمات "قاضية مجتهدة ومتميزة في القضايا المدنية وقضايا الأحوال الشخصية، وقد تدرب على يديها عدد كبير من القضاة، بعضهم الآن قضاة محكمة عليا".

ويقول إنه لم يُعرف عنها موقف صادمت فيه أركان النظام المعزول بالسلطة القضائية، كما لم يُنظر إليها على الإطلاق بأنها ضدهم، "لذلك لم تتعرض لأي ظلم مثل بعض القاضيات اللائي تعرضن للعقاب مثل عدم الترقية مع دفعتها". ويردف "كما لم تنل أي تمييز إيجابي مثل القاضيات المقربات من رئيس القضاء أو من التنظيم داخل السلطة القضائية".

ويشير محمد الفاتح إلى أن عدم انتمائها أو تقربها للسلطة المعزولة حرمها من نيل شرف رئاسة أي جهاز قضائي ولائي، ولا حتى إدارة أي عمل غير قضائي طيلة فترة عملها بالسلطة القضائية، لأنها لم تكن من الإسلاميين، ولم تكن متطلعة إلى أي منصب أو طامعة في مكسب، الأمر الذي جعلها لا تتقرب من التنظيم الحاكم داخل السلطة القضائية ولم تتملقه.

أحكام بلا خوف
وطبقا لمقربين من نعمات فإن واجبها المهني لم يمنعها من إصدار أحكام قوية في مختلف عهود نظام البشير، وكانت تولت قضية ما يعرف بحكومة السودان ضد خضر الشريف، التي ترافع فيها عبد العزيز شدو عن المتهم.

وحاول إجراء تسوية مع المتهم بعد تعيينه وزيرا للعدل، ونائبا عاما لجمهورية السودان، فرفضت نعمات التسوية لتعارضها مع المصلحة العليا للدولة، وحكمت على المتهم بدفع مبلغ 60 مليون دولار لصالح حكومة السودان.

ومن بين أشهر القضايا التي حكمت فيها، إبطالها طعن وزارة الأوقاف في حكومة المعزول عمر البشير ضد الكنيسة الإنجيلية السودانية عام 2016، ومثّل هذا الحكم علامة فارقة في تأكيد استقلالية القضاء وانصافه لأصحاب الحق.

سودانيات يشاركن في إحدى الفعاليات (الأوروبية)

أهل للمنصب
تقول قاضية المحكمة العليا إيناس محمد عبد اللطيف في حديث للجزيرة نت إن نعمات أصدرت أحكاما في قضايا كثيرة بالغة الأهمية، وعُرفت طوال عملها بالدقة والجدية، كما أنها تمتلك شخصية قوية تؤهلها لقيادة السلك القضائي في البلاد رغم أنها تولته في مرحلة تاريخية صعبة، لكنها "أهل للمهمة الصعبة".

وتابعت "أستطيع القول عن معرفة إن نعمات قادرة على مواجهة كل التحديات بجدارة، واختيارها فخر للمرأة السودانية".

ويعتقد مغردون ممن لم ترضهم عملية اختيار امرأة لرئاسة القضاء في السودان أن وجود نعمات بين القضاة الذين خرجوا في مواكب احتجاجية خلال ثورة ديسمبر يقدح في حيادها ولا يجعلها مؤهلة لشغل المنصب، كما أنها لن تتمكن من مواجهة العسكر الذين فضوا اعتصام القيادة وهم الآن على رأس المجلس السيادي، وهو ما يصعّب مهمتها ويجعلها عاجزة عن تحقيق الكثير.

غير أن إيناس دافعت عن خروج نعمات مع القضاة إبان الثورة وأكدت أن ذلك لا يقلل من حيادها في شيء، لأنها كانت تطالب مع غيرها بإقرار "العدالة"، ولم تخرج انتصارا لأي انتماء أو جهة.

المصدر : الجزيرة