مريضات سرطان الثدي بغزة.. بين مطرقة نقص العلاج وسندان منع السفر

الشقيقتان مدللة فريج (يمين) وجميلة فريج (يسار) معاناة مع نقص العلاج والمنع من السفر (الجزيرة)
الشقيقتان مدللة فريج (يمين) وجميلة فريج (يسار) معاناة مع نقص العلاج والمنع من السفر (الجزيرة)

رائد موسى-غزة

مدللة وجميلة فريج، شقيقتان ستينيتان، أصيبتا بالسرطان في وقت متقارب، كانت الأولى ضحية المنع الإسرائيلي من السفر للعلاج في مستشفيات الضفة الغربية، في حين قررت الثانية استئصال الثدي المصاب في غزة، وعدم الارتهان لسياسات الاحتلال وتعقيداته في إصدار تصاريح المرور للمرضى عبر معبر بيت حانون (إيرز) شمال قطاع غزة.

منذ نحو عامين تحرم سلطات الاحتلال مدللة (63 عاما) من السفر لتلقي العلاج، من دون أي مبرر، سوى الإمعان في "تعذيب مرضى غزة".

وقالت مدللة وتكنى "أم أحمد"، للجزيرة نت، إنه منذ إصابتها بالمرض الخبيث في العام 2007، تمكنت من تلقي العلاج في مستشفى الخليل بالضفة الغربية مرتين فقط، ومنذ نحو عامين ترفض سلطات الاحتلال منحها تصريحا للمرور عبر إيرز، كما آلاف المرضى الآخرين.

دوامة المرض وتوفير العلاج
وتقدمت مدللة أربع مرات بطلبات للحصول على تصريح إسرائيلي بغرض استكمال علاجها، وفي كل مرة كانت تصطدم بالرفض غير المبرر، وقالت "احتلال لا يرحم، ويتعمد أن يظل المريض في غزة يعيش في دوامة من المرض والألم والتفكير المستمر في توفير العلاج".

ولا تتوفر علاجات السرطان في قطاع غزة، الخاضع لحصار إسرائيلي خانق منذ نحو 13 عاما، مما يجعل المرضى بحاجة ماسة للسفر بغرض العلاج في مستشفيات الضفة الغربية وإسرائيل، قبل أن تتخذ السلطة الفلسطينية قرارا قبل بضعة شهور بوقف التحويلات الطبية للمستشفيات الإسرائيلية.

ورغم آلام المرض، فإن مدللة التي أنجبت تسعة أبناء تتمتع بروح مرحة وإرادة قوية، وترفض الاستسلام واليأس وتعيش حياتها بحلوها ومرها، وقالت "أديت هذا الموسم فريضة الحج، وأحمد الله على كل حال".

اختارت جميلة فريج الخيار الأصعب وخضعت لعملية استئصال في غزة هربا من معاناة السفر عبر إيرز (الجزيرة)

الطريق الأسهل والقرار الصعب
جميلة اختارت الطريق الأسهل، لكنها اتخذت القرار الصعب، وخضعت لعملية استئصال ثدي في غزة، كي لا تعاني مع مماطلات سلطات الاحتلال، وتلاعبه في حياة المرضى ونفسياتهم.

وقالت جميلة (59 عاما)، للجزيرة نت، إن ما مرت به شقيقتها يمر به كثير من مرضى غزة، وما سمعته من حكايات مؤلمة عن مرضى تدهورت أوضاعهم الصحية، ومنهم من وافته المنية، وهم في انتظار تصريح السفر للعلاج، جعلها لا تتردد في اتخاذ القرار الصعب باستئصال الثدي الأيمن الذي أصابه السرطان.

وكما نجت جميلة من السرطان، نجت وأسرتها من قذيفة إسرائيلية أصابت منزلها الذي تقطنه وزوجها وأبناءهما العشرة، خلال الحرب الإسرائيلية على غزة في العام 2014.

قيود الاحتلال وحججه الواهية
ويقول الباحث في مركز الميزان لحقوق الإنسان باسم أبو جري إن أوضاع المرضى في غزة، خصوصا مرضى السرطان، تشهد تدهورا خطيرا، جراء أوامر المنع والقيود الإسرائيلية المشددة.

وأوضح أبو جري، للجزيرة نت، أن استيفاء المريض للإجراءات كافة وحصوله على التحويلة الطبية لا يعني إطلاقا أنه سيحصل على الرعاية الصحية المناسبة لحالته، حيث تقف قيود الاحتلال عقبة أمام وصول المريض إلى المستشفى في الموعد المحدد.

ووصف مبررات سلطات الاحتلال لرفض تصاريح المرضى بأنها "حجج أمنية واهية"، والحقيقة أن إجراءات الاحتلال تأتي في سياق العقاب الجماعي على سكان غزة.

وقال أبو جري إن حوالي 40% من طلبات المرضى للحصول على تصريح السفر قوبلت بالرفض أو المماطلة، وفي الوقت نفسه تترتب على السماح للمريض ومرافقه بمغادرة غزة مخاوف اعتقالهما، أو أحدهما، حيث بلغ عدد المعتقلين المرضى والمرافقين على معبر إيرز من العام 2015 وحتى النصف الأول من العام الجاري 13 مريضا.

وبحسب الباحث الحقوقي تشير البيانات إلى أن إجراءات الاحتلال تسببت خلال الفترة نفسها في وفاة 56 مريضا، من بينهم 21 امرأة مصابات بالسرطان وأمراض خطيرة أخرى.

وأكد أبو جري أن إسرائيل وهي تعرقل سفر المرضى للعلاج تدرك خطورة ذلك على حياتهم، لمعرفتها الدقيقة بمدى عجز قطاع الصحة في غزة عن التعامل مع كثير من الحالات الحرجة.

الدكتور زياد الخزندار: مريضات سرطان الثدي في غزة يشكلن 35% من أنواع السرطانات (الجزيرة)

سرطان الثدي 35% من الإصابات
ويؤكد المدير الطبي في مؤسسة بسمة أمل لرعاية مرضى السرطان استشاري الأورام والباطنة زياد الخزندار، حديث أبو جري، أن الواقع الصحي في غزة في حالة انهيار.

وأوضح الخزندار، للجزيرة نت، أن الإمكانات المتوفرة من حيث الطواقم الطبية والتمريضية، وبروتوكول العلاج والأدوية، لا يتناسب كليا مع الازدياد الملحوظ في أعداد مرضى السرطان، ومنهم مريضات سرطان الثدي.

وقال "نعاني في غزة من نقص حاد في متخصصي أمراض السرطان، والطواقم التمريضية المتخصصة، وضعف القدرة الاستيعابية في المرافق الصحية، إضافة إلى عدم توفر العلاج الكيميائي، وعدم وجود أجهزة الإشعاع والمسح الذري، ونقص العلاج البيولوجي والمختبرات المتخصصة، وعدم توفر العلاج الهرموني بشكل دائم، وذلك بسبب الحصار الإسرائيلي والانقسام الداخلي.

هذا الواقع القاتم يلقي بظلاله الثقيلة والخطيرة على حياة 16 ألف مريض بالسرطان، والعدد في ازدياد مستمر مع اكتشاف 120 حالة جديدة شهريا، يشكل سرطان الثدي حوالي 35% من إجمالي المرضى، بحسب الدكتور الخزندار.

المصدر : الجزيرة