كيف تبدو الحياة في جزيرة تديرها النساء؟

نساء كيهنو: "نريد سياحة ثقافية وأشخاصا يهتمون حقا بثقافتنا وأسلوب حياتنا وكيفية عيشنا" (غيتي)
نساء كيهنو: "نريد سياحة ثقافية وأشخاصا يهتمون حقا بثقافتنا وأسلوب حياتنا وكيفية عيشنا" (غيتي)

في متحف كيهنو بإستونيا اجتمعت نساء طاعنات في السن لتناول القهوة ومناقشة السؤال المفضل: ما الذي لم تفعله امرأة من كيهنو حتى الآن؟

أعددن قائمة بجميع الوظائف التي تزاولها النساء في غياب الرجال مثل إصلاح محركات الجرارات، وأداء الخدمات الكنسية عندما يكون القس مشغولا. 

وتقول مديرة المتحف ماي آف "إن الوظيفة الوحيدة التي ربما لم يقمن بها حتى الآن هي حفر القبور".

زوار الجزيرة الهادئة الواقعة في بحر البلطيق يذهلون بجمال شواطئها وغاباتها ومنازلها ذات الألوان الزاهية، وكيهنو سابع أكبر جزر إستونيا التي يتجاوز عددها الألفي جزيرة، وتبدو أكبر بالحجم مقارنة بطولها البالغ أربعة أميال وعرضها البالغ ميلين، وظلت تحافظ على طابعها منذ عقود وتعرف على وجه التحديد بكثرة النساء. 

وفي مقال نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، قدمت الكاتبة هيلاري ريتشارد نظرة شاملة على ماضي وحاضر ومستقبل جزيرة كيهنو الإستونية، الجوهرة الثقافية الفريدة من نوعها.

أين اختفى رجال الجزيرة؟
خلال القرن التاسع عشر بدأ الرجال يختفون من الحياة اليومية في جزيرة كيهنو بسبب العمل في البحر فأخذوا يغيبون عن منازلهم لأشهر أثناء صيد الفقمات، مما جعل النساء يأخذن زمام الإدارة في الجزيرة، فتوسعت المهام الأنثوية التقليدية لتشمل كل ما يحتاجه المجتمع للنجاح والاستمرار.

وتعاني جزيرة كيهنو الصغيرة إحدى مشاكل العصر المتمثلة بانخفاض عدد سكانها ورحيل الكثيرين منهم بسبب نقص الوظائف، وتقول مار ماتاس مديرة مؤسسة الفضاء الثقافي التي تعنى بحماية سكان الجزيرة والتعريف بثقافتها "سنضطر في النهاية للجوء إلى التسويق، لكن السؤال الأهم هو كيفية تحديد الأفضل لنا".

 نساء جزيرة كيهنو يقمن بمهام عدة وشغوفات بالحفاظ على التراث (الصحافة البريطانية)

امرأة ومهام عدة
وتقوم ماتاس -ككل نساء جزيرة كيهنو- بمهام عدة، وهي شغوفة بالحفاظ على التراث، وإلى جانب إدارتها العديد من منازل سكان الجزيرة الذين يقدمون للسياح الزائرين خدمة الإقامة في منازلهم، تعمل حارسة للمنارة ومرشدة سياحية، ومنزلها الأصفر قرب الساحل كان يعج بالنشاطات بعد ظهر أحد الأيام حين وصلت -الكاتبة- بالزورق من ميناء مونالييد الذي يقع خارج مدينة بارنو رابع أكبر مدن إستونيا.

وماتاس (43 عاما) أم لأربعة أطفال، تبدو كأنها تنتمي لأي مكان توجد فيه بفضل تسريحة شعرها القصيرة والأنيقة ونظاراتها السوداء العصرية، إضافة إلى أقراطها الذهبية الدائرية.

ومع ذلك، فإن خزانة ملابسها مليئة بالأزياء اليومية كالتنانير المنسوجة يدويا ومآزر بيزلي المصنوعة حسب الطلب، فعندما تلبس امرأة مئزرا فوق تنورة الكيهنو فهذا يعني أنها متزوجة، وهي متزوجة من بحار غادر للعمل.

وعندما سألت الكاتبة عن عدد الرجال في الجزيرة -التي عدد سكانها 300 فقط- صمتت ماتاس، ثم قالت "ربما خمسة"، إلا أن الكاتبة صرحت بأنها قابلت اثنين فقط، هما مخرج أفلام وثائقية زائر، وعامل بناء بصدد إصلاح منزل.

يذكر أن مجتمع كيهنو يشبه عائلة موسعة ومتماسكة، ويعتبر نموذجا تبنى على أساسه سلوكيات العائلات الكبيرة.

الأطفال فالمجتمع وأخيرا الرجال
أثناء عرض المواهب في المدرسة يتداول الأطفال الشقر سرد المعلومات، في حين تجلس النساء على مقربة من بعضهن ليثرثرن بصوت منخفض أو يتبادلن المجاملات بصوت أعلى، أما في قاعة الألعاب الرياضية بالمدرسة فيتجول طفل صغير بحرية فتحمله امرأة غريبة لتحضنه.

هناك تسلسل هرمي واضح في كيهنو: الأطفال ثم المجتمع وأخيرا الرجال، وقد أخبرت آف الكاتبة خلال زيارة لمتحف كيهنو -الذي يعرض تاريخ وثقافة الجزيرة وآثارها المهمة- أن "لدينا عقليات مختلفة تماما عن الأشخاص في البر الرئيسي، فنساء كيهنو يرغبن دائما بالقيام بما هو أفضل للأسرة، خاصة الأطفال".

وأكدت آف أن "السياحة الجماعية ليست جيدة لكيهنو، نريد سياحة ثقافية وأشخاصا يهتمون حقا بثقافتنا وأسلوب حياتنا وكيفية عيشنا، فإذا كانوا مهتمين فنحن نرحب بهم، لكن يجب عليهم قبول ذلك"، إن سحر كيهنو يكمن في أنها ليست معدة للسياحة الجماعية.

اللافتات التي صادفتها الكاتبة تعود لأربع قرى في الجزيرة: ليمسي، ليناكولا، رووتسيكولا، وسار، وعدد قليل من طرقاتها معبد ولا يوجد جهاز صراف آلي أو مطعم مفتوح طوال العام، وأول مركز شرطة هو قيد الإنشاء حاليا.

كما أن الزوار ضيوف وليسوا سياحا، حيث أقامت الكاتبة في منزل ماتاس واندمجت بسرعة في حياتها اليومية، بما فيها وجبات الطعام والأعمال المنزلية.

في جزيرة كيهنو الإستونية الزوار ضيوف وليسوا سياحا ويقيمون في منازل سكان الجزيرة (غيتي)

التقاليد والثقافة على قيد الحياة
وقالت سلفيا سويد -وهي مدربة رقص ومصورة فوتوغرافية- "كيف تعانق العالم الحديث بينما تبقي هذه الثقافة القديمة على قيد الحياة؟ إنهم مشتتون بسعيهم لتحقيق التوازن بين الاثنين".

وأضافت أن الجيل الأكبر سنا يريد الإبقاء على التقاليد والثقافة على قيد الحياة، لذلك يقوم أفراده بتعليم ما تعلموه، يجب أن تبقى حية، إنها ثقافة جميلة، لكنني أعرف أن الشباب يشعرون بالإحباط، إنهم يرحبون بالعالم الخارجي لأنه يوفر لهم وسيلة للبقاء على قيد الحياة، إنها فرصة رائعة حقا لنساء كيهنو لكسب المال خلال موسم السياحة.

ووصفت سويد الجزيرة بقولها "الجميع من كيهنو يحبون هذه الجزيرة حقا، إنها تنبت الجذور حول قدميك، تبدو معقولة، خاصة أن الغابة في هذه المنطقة تتمتع بخاصية وكأنها من حكايات الخيال".

يذكر أن سويد انتقلت من فانكوفر في كولومبيا البريطانية إلى كيهنو في ديسمبر/كانون الأول سنة 2008 تكريما لجدتها الإستونية التي فرت من الجزيرة خلال الحرب العالمية الثانية.

المرأة في كيهنو تشعر بإحساس قوي بأن كل شيء ممكن (الصحافة البريطانية)

ما الذي تغير بحياة نساء الجزيرة؟
مر سكان جزيرة كيهنو جميعا -مثل الكثير من الإستونيين عموما- بتغيرات كبيرة في حياتهم (بما فيها الاحتلال السوفياتي والألماني)، وهذه التغيرات خارجة عن إرادتهم، وقد تختلف الإجابات بشكل كبير عندما يُسأل هؤلاء السكان عن أكبر التغيرات التي شهدتها الجزيرة.

وفي هذا الشأن، أجابت الخجولة روزي كارجام البالغة من العمر 83 عاما بعد الكثير من التفكير والمراوغة "السراويل".

وأضافت كارجام -وهي أشهر حائكة في كيهنو ومن كبار السن المحبوبين- أن "النساء لم يعتدن على ارتداء السراويل"، أما فيرف كوستر البالغة من العمر 91 عاما فأجابت قائلة "أوه، كل شيء".

المرأة في كيهنو تشعر بإحساس قوي بأن كل شيء ممكن، فإذا كانت هناك حاجة لعمل شيء ما فستقوم به امرأة، ومن المحتمل أن تفعله امرأة أخرى مرة ثانية قريبا.

وخلصت المحادثة بين الكاتبة وماتاس إلى أن الرجال والنساء ليسوا متساوين، حيث أثبتت النساء أنهن قادرات على منافسة الرجال في كل الأمور، في حين لا يستطيع الرجال منافسة النساء في كل الأمور التي يختص بها جنسهن.

المصدر : إندبندنت