زهدن في الدنيا والتزمن جوار "الحسين".. مشاهد من عالم نساء الموالد

زهدن في الدنيا والتزمن جوار "الحسين".. مشاهد من عالم نساء الموالد

في مولد الحسين تأتي فاطمة الزهراء تفرش الحصير لتمضي أيام المولد الخمسة (الجزيرة)
في مولد الحسين تأتي فاطمة الزهراء تفرش الحصير لتمضي أيام المولد الخمسة (الجزيرة)

شيماء عبدالله- القاهرة

كانت جلستها المفضلة مع الجار المسلم في الحقل المجاور لحقل عائلتها، الرجل الكبير ذو الخمسين عاما، الصوام القوام، وكانت هي "نادية عدلي موسى يوسف"، المسيحية ذات الخمسة عشر ربيعا، لم يدعها إلى الإسلام، لكنه ضاحكها مرة "العصر يؤذن يا نادية ما تيجي تصلي"، لم تضحك نادية، وقفت واتخذت وضعية الصلاة التي رأتها مرارا "صلِ وأنا أصلي خلفك"، علمها الحاج توفيق كيف تتوضأ، ثم صلت خلفه عصر ذلك اليوم منذ أربعين عاما، ولم تنقطع صلاتها منذ ذلك الحين.

حكاية فاطمة 
مسحة من جمال غابر، لم يزل يسكن الوجه الذي زادته التجاعيد قوة، اعتادت افتراش الأرض، والتحاف الفضاء، خرجت من المسيحية إلى الإسلام، ومن دير الراهبات إلى موالد أولياء الله الصالحين، في مولد الحسين.

غاب اسم نادية عدلي موسى، وحل محله فاطمة الزهراء أحمد إسماعيل، بلباس مختلف وهيئة جديدة كانت حصاد أربعين عاما، منذ أن قررت القفز من شباك محبسها في قريتها بطنطا إلى أن التقت برفيق الخدمة الطواف بالموالد "كنت متزوجة وأنا مسيحية ولدي بنت وولد، أخذا مني، ولا أعرف لهم طريقا الآن، ربنا عوضني بولد وبنت وزوج من أكرم خلقه".

في مولد الحسين مناسبة لعيش الحياة الصوفية (غيتي)

خيمة الزهراء
في مولد الحسين تأتي فاطمة الزهراء قبيل المولد بأيام قليلة، لا تزال عادتها لم تنقطع رغم وفاة الزوج، صاحب الطريق والطريقة، تشعل موقد الشاي، تحضر خبيز الأيام الخمسة التي ستقضيها بجوار الولي الصالح، تفرش الحصير، وتشمس بطاطينها الخشنة، تضئ مكانها بأسلاك الكهرباء الموصولة من الجيران، تستقبل الكرام وتطرد اللئام، لا أحد يستطيع الاقتراب من خيمة الزهراء إلا أصحاب الحاجات وأهل السبيل، لكن غيرهم إن حاول التطاول فسيكون لسانها هو من يستقبلهم "الست الحرة لا تخاف من الشارع، الشارع هو من يخاف مني" بحسب قولها.

"إيه العمل يا أحمد.. يوم طلعة المشهد.. والأنبياء تشهد إنك رسول الله" الكلمات تبدو مألوفة لأصحاب الخبرة بالموالد، بالحياة الصوفية، بأصحاب الجلابيب الخضر والرايات البيضاء، تجري الكلمات على لسان الحاجة سعاد صقر في جلستها في حارة سنية خلف المشهد الحسيني، مكان هادئ بعيد عن الزحام، بعيد عن صخب الزوار وروائح القادمين الجدد، تستأنس بروائح الغابرين، بوِرد مولانا الدسوقي، وحزب الشيخ الإبراهيمي "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم".

يحل الوِرد محل الإنشاد، ويصمت الإنشاد لتبدأ التلاوة، 76 عاما، عمر طويل انصرم، ويتجدد العهد عاما بعد عام، عهد الرؤية التي أعادت لها عقلها بعد انجذاب سبع سنوات "مرتان رأيت فيهما سيدي إبراهيم الدسوقي، مرة سقاني شربة طيرت عقلي وجعلتني أترك أولادي وبيتي وأطوف في الشوارع سبع سنين، والرؤية الثانية يوم أن ألبسني الجلباب الأخضر وقال لي تلازمي أبواب الأولياء وتكرميهم مثلما سيكرمك الله بعقلك مرة أخرى".

رُد إلى سعاد عقلها -بحسب وصفها- وعادت لمنزلها وصغيرها الذي أرضعوه حليب البقر وأخبروه أن "أمه نادتها النداهة" -وفق الأسطورة الشعبية- ومن بعد ولد وبنت، أضحى لدى "صاحبة الخطوة" سبعة أطفال آخرين، نذرتهم لله، فأحسنهم خُلقا وخلقة.

خيمة الست صباح في مولد الحسين بالقاهرة (الجزيرة)

 7 أيام بجوار الحسين
"في ساحة الحسين نزلنا.. في حمى الرحمن من أتى لحسينا" في حمى الرحمن، تنزل أم أحمد للمولد في كل عام، لا تخشى أذى أو لومة لائم، فقط تخاف أن تنزل صورتها بالصحف، أو ينالها أذى كلمات تُكتب عن المحبين، من غير العارفين، فتنالها سهام الحكومة.

تقول أم أحمد "دعوتنا كل يوم أن اليوم يعدي على خير، ولا يؤذينا أحد بكلمة في حبيبنا الحسين".

سبعة أيام تقضيها أم أحمد في موقعها بجوار مسجد أم الغلام، بجوار المقام الحسيني، لكنها لا تشعر بها إلا يوما أو بعض يوم، "ياريت العام كله مولد سيدي الحسين"، البحث عن البركة هو السبب الذي جعل أم أحمد تترك زوجها وأبناءها وتأتي إلى الحسين.

"نذر نذرته لله وسوف أوفيه حتى الموت"، لا تحكي السيدة الخمسينية عن سبب النذر، ولا عن حجم العطاء، فتضيف "ما لله لله، لا نمن به، ولا نذكره لغيره"، في الجوار بناتها اللاتي أتين زيارة ليوم واحد فقط، ثم يرجعن سريعا للقرية بالصعيد فتقول أم أحمد "هؤلاء بناتي أخاف عليهن من الزحام، أما أنا فلا يجرؤ أحد على الاقتراب مني".

لا تخلو أزقة الجمالية من رائحة الطعام على مدار الأسبوع السابق للمولد، 24 ساعة من رائحة الأرز و"طشة الملوخية"، وروائح الفتة وأطباق الأرز باللبن والمهلبية، أبقار وخراف تُنحر، وموائد تمتد للمريدين والمحبين، وخدمة لا تفرق بين الأغنياء والمساكين، الكل سواء في حضرة الإمام سيد شباب الجنة، هنا ساحة الست صباح، غابت الست، وبقيت الساحة، عامرة بسيرتها وبأبنائها الذين واصلوا المسيرة.

كل سواء في حضرة الإمام سيد شباب الجنة، هنا ساحة الست صباح، غابت الست، وبقيت الساحة عامرة بسيرتها وبأبنائها الذين واصلوا المسيرة (غيتي)

أقدم خيمة في المولد
تجلس أم هاني أمام الموقد توزع أطباق الملوخية وقطع اللحم، الجميع يأكل ثم يدعو إلى الراحلة، التي استمرت بركتها في المكان "خيمة الست صباح أقدم خيمة في المولد، من دخلها لا يجوع ولا يعطش"، داخل الخيمة يترك الجميع مشاغلهم، يفوتون الدنيا، وتفوتهم، يتعطشون لطبق الملوخية، ويتركون أشهى اللذات.

المصدر : الجزيرة