نجاح.. مبتكرة تحرس تقاليد عرائس تونس

نجاح.. مبتكرة تحرس تقاليد عرائس تونس

نجاح: متعتي ابتكار أغراض بسيطة لمست حاجة المقبلات على الزواج لها (الجزيرة)
نجاح: متعتي ابتكار أغراض بسيطة لمست حاجة المقبلات على الزواج لها (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

تتعثر الطريق أمام خطوات نجاح وهي تراوغ أزقة المدينة العتيقة في تونس محاولة بلوغ الورشة قبل زميلاتها، هي لا تريد أن يمكثن في الأزقة طويلا في انتظار المفاتيح التي أوكلت لها مهمة حفظها، تحمل المفاتيح والقهوة الصباحية وابتسامات وزعتها عليهن حال وصولها.

تعمل هذه الفتاة التونسية في ورشة لصناعة مستلزمات العرائس بأسواق المدينة العتيقة، وهي وجهة لا تغفل عنها التونسيات المقبلات على الزواج لالتزام المحلات فيها بعرض المنتجات والبضائع التقليدية لجميع محافظات البلاد، وللعقلانية التي لا تزال في أسعارها.

مدخل المدينة العتيقة في تونس (الجزيرة)

تقاليد تونسية
وعلى الرغم من التعقيدات التي تتصف بها العادات التونسية في التحضير لمراسم الزفاف فإن أغلبية فئات الشعب تحافظ عليها بكل تفاصيلها وتحرص العروس وعائلتها على توفيرها والالتزام بكل تفاصيلها منذ مئات السنين.

وأسواق المدينة العتيقة هي القلب النابض لتاريخ البلاد، تأسست سنة 698م حول جامع الزيتونة الذي يعد أقدم معلم ديني بالعاصمة، وتتميز بتعدد الأنماط المعمارية للحضارات والدول الإسلامية التي تعاقبت على البلاد من الموحدين إلى الأندلسيين اللاجئين إليها.

أدوات التجميل
تستعرض نجاح المعروضات التقليدية الضرورية للزفاف التونسي، من مجامر البخور إلى مستلزمات "كنسترو الحنة" (تسمية محلية لأدوات الزينة والحناء) المطرزة على الطريقة التونسية، ولا تنسى أيضا أن ترينا أغراض "كنسترو الحمّام" التقليدي.

ولا تغفل عن قائمة الملابس التقليدية مثل "الفرملة" و"البلغة" و"الفوطة والبلوزة" وصولا إلى "مريول فضيلة" الذي له قصة ضاربة في القدم تحكي عن لباس تونسي ستر أجساد المناضلات أثناء إعدامهن، رسالة عن العفة تواصل التونسيات الاعتداد بها إلى اليوم.

وتمثل هذه العادات حلقة اقتصادية مهمة في تواصل أنشطة جميع تجار المدينة العتيقة، من النجارة إلى الأقمشة وأدوات التجميل التقليدية وصولا إلى الفخار والفواكه الجافة ليصل هذا الكم من السلع أمام نجاح ومثيلاتها قبل أن يقمن بتهيئة كل ذلك والقيام بأعمال التطريز والتزيين وفق المعايير المتوارثة منذ القدم.     

من داخل المستودع المعد لتخزين البضائع (الجزيرة)

الفوضى الخلاقة
بمجرد أن يفتح الباب تعبر نجاح بنظرها قاعة العرض وكأنها تستشرف ملامح اليوم الذي ستقضيه برفقة زميلاتها في عمق قاعة خلفية لا تمت بأي صلة لباقات الزهور وصناديق الحلي المزركشة على الطريقة التونسية التي تجاوزناها باتجاه ورشة استقبلتنا بعتمتها.

الورشة عبارة عن غرفة خلفية لقاعة العرض، تتكدس فيها جميع المواد الأولية من أقمشة وصناديق خشبية بكل الأحجام، أكياس وعلب كرتونية في كل مكان، لم يفت نجاح أن تبدي ما أسرت لتقول بابتسامة خجولة إنها الفوضى الخلاقة.

 باقات الحلوى على الطريقة التقليدية التونسية (الجزيرة)

ظروف صعبة
مع افتقار المكان لإضاءة وتهوية كافية تتمترس الفتيات خلف طاولات تتراص فوقها أدوات ومعدات، يطبق صمت ثقيل إلا من بعض همسات الفتيات بين الفينة والأخرى تتجاوز حاجز صوت الأيادي المنهمكة في التطريز والتجميل حسب جدول طلبيات ألصق على الجدار.

يوم عمل نجاح يمتد من الساعة الثامنة صباحا حتى السادسة مساء، أضف إلى ذلك الوقت الذي تقضيه في وسائل النقل العمومية ذهابا وإيابا، ومع كل هذه المشقة تغيب التغطية الاجتماعية عنها وعن مثيلاتها.

لا يفوت نجاح أن تضيف أنها تتقاضى أجرا يوميا لا يتعدى الأربعة دولارات على الرغم من أهمية دورها ودور مثيلاتها في الحفاظ على استمرارية هذا الموروث الشعبي الثقافي التونسي، خاصة أمام هجمة المواد القادمة من دول أخرى على غرار السلع الأوروبية المستوردة.

مستلزمات الحناء التونسية مطرزة على الطريقة التقليدية (الجزيرة)

مهارات المجالسة
تقول نجاح إن إخفاقها في الحصول على شهادة البكالوريا كان وراء عملها هذا، إذ لا يتطلب تكوينا خاصا أو شهادة علمية، المطلوب هو الإلمام بالعادات والتقاليد التونسية ذات العلاقة بالأفراح والمناسبات العائلية، أضف إلى ذلك بعضا من الذوق الجميل.

وتتذكر بداياتها في هذه الحرفة وهي تجالس إحدى الفتيات لتعلمها كيفية صنع وتجميل "باقات الحلوى التونسية" التي توزع في حفلات الزفاف، وتقول إنها وجدت الأمر مسليا منذ البداية، لكن مع مرور السنوات بدأت تحس بمشقة العملية نظرا لما تتطلبه من تركيز.

متعة الابتكار
متعة هذه الفتاة تكمن في ابتكار أغراض بسيطة لمست الحاجة إليها من ملاحظات زائرات المحل، عندها تبدأ في استنباط الحلول وتجسيدها، متعتها الكبرى -حسب قولها- هي رواج ابتكاراتها في صفوف المقبلات على الزواج.

ومع أفول نجم العديد من الصناعات التقليدية في المدينة العتيقة مثل صناعة الجلد أو النحاس أو غيرها من الحرف الموغلة بصميم الأصالة التونسية صمدت حرفة تجميل مستلزمات العرائس بفضل أيادي شابات تعملن في عتمة صامتة تنطق فرحا.

المصدر : الجزيرة