التنمر ضد البدينات.. الحرب النفسية على ذوات الأوزان الثقيلة

النساء أكثر حساسية تجاه ما يقال عن أجسادهن (بيسكابي)
النساء أكثر حساسية تجاه ما يقال عن أجسادهن (بيسكابي)

صفاء علي - القاهرة

نورا فتاة مصرية في العشرين من عمرها، تبدأ يومها بتناول كوب كبير من اللبن وقطعة من الجبن الأبيض اللذيذ الذي تحبه مع رغيف من الخبز الأسمر، ولا يسلم الأمر من قطعة شوكولاتة مخبأة هنا أو هناك. ورغم أن وزنها وصل إلى 135 كيلوغراما، فإنها وصلت لمرحلة كبيرة من التصالح مع نفسها وحبها لجسمها والأكثر هو حبها للطعام، إذ لها فلسفتها الخاصة التي ترى أن "الأهم من خسارة الوزن، هو الصحة، ولا أستطيع العيش دون تناول الحلويات، هي بالنسبة لي إدمان".

 

الأمر لدى نورا لا يختلف كثيرا عن نظرة الرضا التي تراها فيروز محمد 23 عاما التي بلغ وزنها 120 كيلوغراما، وهي لا تحرم نفسها من تناول الطعام الذي تحبه، وتعمل على إنقاص وزنها بالرياضة فقط وليس بالامتناع عن تناول الطعام.

 

تقول فيروز للجزيرة نت "أنا أحب تناول الطعام أكثر من خطيبي، فعليا لن أنظر إليه كما أنظر إلى ساندوتش شاورما"، وترى أن المتنمرين على البدينات هم "مرضى لديهم قصور في حياتهم ويخرجون عُقدهم على الآخرين، فلماذا يتم الحكم على شخص بسبب شكل جسمه ومقاس خصره".


لبنى بن إسماعيل في مسابقة ملكة جمال البدينات  (الجزيرة)

العنصرية هي كلمة السر

وتظل النظرة السلبية للبدينات في المجتمعات العربية موجودة، وإن كسرتها مسابقات اختيار ملكة جمال للبدينات، حيث أُقيمت أول مسابقة في هذا الإطار في لبنان عام 2013. ورغم سخرية البعض من المسابقة وقتئذ فإنها نُظمت في السنوات اللاحقة، لتفوز بها في عام 2015 التونسية لبنى بن إسماعيل التي قررت مؤخرا التخلص من وزنها الزائد بعد أن وصلت لحوالي 114 كيلوغراما.


قالت لبنى للجزيرة نت في اتصال هاتفي من تونس إن "المجتمع بطبيعته عنصري، كنت أسمع ألفاظا عنصرية وجارحة مثل: يا بقرة، يا دبة، وحتى بعد إجرائي عملية التنحيف ما زلت أعاني من العنصرية والسباب على صفحاتي الخاصة على مواقع التواصل. المجتمع لن يتغير مهما حاولنا".

أسست لبنى جمعية خاصة لتقديم الدعم النفسي للبدينات، كما أنها تنظم مسابقة خاصة لاختيار ملكة جمال البدينات التونسيات، وما زالت تقدم خدماتها للبدينات وترعاهن وتساعدهن على تحقيق حلم الرشاقة بمبادرة أطلقتها لمساعدات غير القادرات ماليا على إجراء عمليات جراحية للتنحيف.

البعض يلومون المصابين بالسمنة لعدم قدرتهم على التحكم في أوزانهم (الألمانية)

تقطيع الروح بسكاكين المجتمع
تعاني هاميس محمود من حالة شديدة من الاكتئاب دفعتها لأن تلزم منزلها ولا تخرج منه، بعد أن فشلت في الحصول على وظيفة بسبب وزنها الزائد، بالإضافة إلى كلمات التنمر والاستهزاء حتى من أهلها بعد أن وصل وزنها إلى 140 كيلوغراما.

وتقول للجزيرة نت "فقدت القدرة على حب الحياة، أو أن أرى الناس أصلا، حتى أنني لا أريد القيام بأي حمية غذائية، وقد ينتهي اليوم ولا أقابل أهلي أو أقاربي، لا أحتمل نظراتهم التي تقطعني حرفيا".

 

وتشير الدراسات إلى أن هناك لوما مجتمعيا يُمارس على البدين كما لو أنه اختار بدانته، وتصبح النساء أكثر حساسية تجاه ما يقال عن أجسادهن، وفي الغالب يفشلن في فقد الوزن الزائد، ويذهب البعض إلى اعتبار أن السمان يستحقون ما وصلوا إليه من وزن زائد لعدم قدرتهم على التحكم في أوزانهم، وبالتالي فهم يستحقون الوصم بالعار.

الكتابة قد تكون متنفسا للمعانيات من تنمر المجتمع، وهو ما تفعله نجلاء فتحي المصورة الصحفية ذات الـ95 كيلوغراما، والتي أنشأت مدونة خاصة تحت اسم مستعار للتنفيس عن الضغط الذي تعانيه من المجتمع بسبب وزنها الزائد.

عنصرية قد تؤدي إلى الانتحار

التحيز ضد البدن قد يؤدي إلى أمراض نفسية عدة منها الاضطراب الثنائي القطبين، وتتمثل أضرار هذا التحيز في صعوبة فقد الوزن أو اكتساب مزيد منه والاتجاه إلى العزلة، وكثير من الاضطرابات النفسية الأخرى كالرغبة في الانتحار أيضا.

 وهو ما حاولته منى عبد السلام بعد أن عيرها زوجها ببدانتها بكلمات هزمت أنوثتها.

تقول منى عبد السلام للجزيرة نت إن زوجها كان يعيرها ببدانتها بكلمات هزمت أنوثتها، و"بسبب وزني هجرني زوجي، أصبح يوجه الكلمات القاسية لي وينتقدني أثناء تناول الطعام، كنت أتمنى تقطيع وزني الزائد بسكين حادة، لكني أجبن من أن أفعل ذلك".

أما نورهان محمود (19 عاما، 125 كيلوغراما)، فتقول "أنا أكره نفسي بسبب تنمر المجتمع. أتمنى أن يحبني رجل، أصبحت أستجدي كلمات الثناء من الناس، أصبحت مسخا كما يريدونني بالضبط".

النظرة السلبية إلى البدينات تؤذيهن (بيكسابي)

"تسمين الأنثى" لزوج مناسب
ورغم ذلك، ما زالت بعض المجتمعات العربية تقوم بـ"تسمين" الأنثى منذ أن يبلغ عمرها تسع سنوات.

تقول الباحثة الجزائرية مريم بوزيد للجزيرة نت، إن بعض القبائل في موريتانيا والصحراء الجزائرية تسمن الإناث في عمر صغير، ويسمى "التبلاج"، بحيث تتناول الفتاة كميات كبيرة من اللبن واللحم الذي يُطبخ بطريقة معينة، بالإضافة لتدليك الجسم بنوع من الأعشاب الخاصة، وربما يستغرق الأمر شهرا أو أكثر.

أما الباحث في المجتمع الصحراوي المغربي الدكتور بوزيد الغلي، فيقول للجزيرة نت إن طقوس التسمين اختلفت فأصبحت بعض النساء تعددن وصفات من خليط غير آمن صحيا من الشوكولاتة والعقاقير الطبية الكيميائية المخصصة لزيادة الوزن، وما زالت عادات التسمين منتشرة في الصحراء المغربية في بعض القبائل مثل هوارة في منطقة سوس، ويعتبر الأمر شأنا ثقافيا متجذرا في تربة المجتمعات عن المرأة، وليس من السهل تغييره.

المصدر : الجزيرة