محامية عراقية تهجر مهنتها لمحاربة العنف ضد المرأة

المحامية رشا تستمع لعدد من النساء المعنفات (الجزيرة نت)
المحامية رشا تستمع لعدد من النساء المعنفات (الجزيرة نت)

وليد المصلح-بغداد

كان بإمكانها امتهان المحاماة الأكثر ازدهارا وكسبا للمال هذه الأيام، لكنها أحجمت عن الأمر برمته، بتوظيف ما تلقفته من القانون، في إنصاف من جنى عليهن القانون نفسه، وحرمهن ما تبقى من إنسانيتهن، فأضحين خاليات الوفاض من كل شيء ما خلا آدميتهن التي خدشها الزمن بمخالب ما زالت عميقة غائرة.

بعد تخرجها في كلية القانون عام 2011 انخرطت المحامية رشا خالد في العمل الإنساني ضمن "جمعية نساء بغداد" المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة، وشاركت بحملات المدافعة عن النساء والمطالبة بتشريع قانون مكافحة العنف الأسري الذي ما فتئ حبيسا في أدراج مجلس النواب العراقي منذ العام 2010.

رشا تتجول في العشوائيات للتعرف على أوضاع الناس هناك (الجزيرة نت)

عمل دؤوب
خاضت المحامية ابنة الـ29 ربيعا أولى معاركها لتمرير قانون مكافحة العنف الأسري عام 2015 وفتح دور الإيواء للمعنفات من النساء، تشاركها في المهمة 25 منظمة محلية، بإضفاء تعديلات على مسودة حماية المرأة من خلال حوارات معمّقة مع صناع القرار للخروج بكلمة سواء لتمرير تلك المسودة.

لكن صراعها الأكبر كان بعد عامين لمنع محاولة إلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المستلهم من مذاهب إسلامية مختلفة، واستبداله بقانون "المذهب الجعفري" الذي يقضي بتزويج القاصرات ويمنع الزيجات بين المذاهب المختلفة، ويحوّل المحاكم المدنية إلى دينية بسلب السلطة من القضاء ومنحها لرجال الدين.

كانت "رشا" من بين المتظاهرات اللائي شاركن في حملات ترفض تعديل القانون الذي أثار جدلا كبيرا انتهى برفضه شعبيا وسياسيا.

ناشطون يتجولون في العشوائيات القريبة من بغداد (الجزيرة نت)

العشوائيات
تمضي المستشارة القانونية "رشا" جلّ يومها مع المعدمين القاطنين بالمناطق العشوائية في أطراف العاصمة بغداد، ممن يعيشون على الكفاف في بيوت من الصفيح أو هياكل متروكة، حيث يتوارون عن أنظار الحكومة والناس وحتى الحياة.

غالبية أولئك المبعدين هُجّروا من أماكن سكناهم على خلفية طائفية بعد عام 2005، فطال عليهم الأمد حتى الآن، وآخرون نفوا من عشائرهم لارتكابهم جرائم قتل وجرائم الشرف بما يسمى "الجلوة العشائرية" ومعظمهم ينحدر من أقصى الجنوب، إضافة إلى قبائل الغجر.

وما بين قوانين الأعراف التي عفى عليها الزمن وتقاعس الحكومة في تشريع قوانين تحفظ كرامتهم، يتأرجح سكنة العشوائيات بين اليأس والأمل الذي يخفت أحيانا أو يكاد ينطفئ.

رشا خلال مزاولتها لعملها في جمعية نساء بغداد (الجزيرة نت)

مخاطر وتحديات
الولوج في المجمعات العشوائية مغامرة مجهولة العواقب، حيث تنشط أسباب الجريمة ومسوغاتها، فلا سطوة إلا لتقاليد بالية وشريعة تكفل البقاء للأقوى، كما يصفها المسؤول المالي في جمعية نساء بغداد "محمد عبد" كاشفا للجزيرة نت حجم المخاطر التي تكتنف العمل هناك "تجازف رشا بالذهاب إلى حيث الجهل والفقر يخيمان، لكنها لا تعرف التراجع إذا كان ثمة من يحتاج المساعدة".

تصف المحامية الطموحة تجربتها تلك بعبارات مقتضبة "لا هدف لدي سوى إنقاذ الإنسان بغض النظر عن الدين والمعتقد أو العرق واللون"، وتضيف للجزيرة نت "لا ذنب للأطفال المحرومين من التعليم لعدم امتلاكهم أوراقا ثبوتية، مهمتنا تصديق الزيجات التي تتم خارج المحاكم وإثبات نسب الأبناء لآبائهم، ثم إلحاقهم بالمدارس".

"أم زهراء" إحدى سكان العشوائيات في مدينة الصدر شمال بغداد تصف إلحاق ابنتها بالمدرسة بحلم حياتها من خلال حديثها للجزيرة نت "أنا لم أحظ بفرصة للتعلم منذ صغري ولا أحب أن تكون ابنتي مثلي، أما الآن فهي ترتاد المدرسة يوميا، أنا مسرورة لذلك ومدينة لمن ساعدها".

الباحث الأكاديمي الدكتور محمد الزهيري اعتبر تمدد العشوائيات واتساع رقعتها في أطراف العاصمة، بالظاهرة المفزعة التي يفترض أن تقضّ مضاجع الحكومة بعد تجاوزها الألف عشوائية وفق إحصائية وزارة التخطيط العراقية، وأن تجد لها بديلا.

تتسع رقعة البؤس يوما بعد آخر، لتطال الأبناء بعد الآباء في بيئة تصطبغ بالفاقة والعوز، تلكم معاناة يعيشها ساكنو الأطراف دون حلول وسط عدا بعض الجهود المبعثرة، بينما تحث الخطى منظمات غير حكومية وناشطون مدنيون لإعادة البسمة إلى شفاه فارقتها منذ زمن.

المصدر : الجزيرة