عائشة وعزيز.. قصة حب مغربية في دار المسنين توجت بالزواج

عائشة وعزيز.. قصة حب مغربية في دار المسنين توجت بالزواج

عائشة وعزيز في حفل زفافهما بدار المسنين بعد ربع قرن أمضتها عائشة في الدار (الجزيرة)
عائشة وعزيز في حفل زفافهما بدار المسنين بعد ربع قرن أمضتها عائشة في الدار (الجزيرة)

 سناء القويطي-سلا (المغرب)

في غرفة متواضعة بأحد الأحياء الشعبية في مدينة سلا المغربية تجلس عائشة على طرف السرير ويدها تتحسس عينيها المنطفئتين، وقبالتها ينهمك زوجها عزيز في تحضير وجبة الغذاء وهو يقاوم ضيق نفسه بسبب إصابته بمرض صدري.

في هذه الغرفة التي تتكدس فيها الأغراض يحاول عزيز (62 سنة) وعائشة (56 سنة) التأقلم مع حياتهما الجديدة، فبعد أسابيع من زواجهما ومغادرتهما دار المسنين صار لزاما عليهما الاعتماد على نفسيهما في كل شيء.

وولدت قصة حب هذين الزوجين في مركز رعاية الأشخاص المسنين بضواحي الرباط، ولم يمنعهما سنهما والأمراض التي تسكن جسديهما وعوزهما المادي من تحقيق رغبتهما في أن يجمعهما سقف واحد وقضاء ما تبقى من عمرهما معا في السراء والضراء.

عزيز في مطبخه الصغير بالغرفة التي يستأجرها في سلا بضواحي الرباط (الجزيرة)

محرومة من النور
كان قدر عائشة التي تنحدر من إحدى القرى الأمازيغية بمنطقة أزيلال (وسط) أن تصاب بالعمى دون أن تأخذ نصيبا من رؤية العالم، عاشت الخذلان والتخلي والفقد والعوز فوجدت في عزيز الرجل الذي يعطي طعما آخر لحياتها ويلونها بالكلمات الرقيقة والحانية التي لا تدري من أين يقطفها.

25 سنة قضتها عائشة في مراكز رعاية المسنين بعدما توفيت والدتها وتخلى عنها إخوتها وتركوها تجابه قدرها المظلم وحدها.

تتذكر عائشة تلك الأيام وتتنهد بعمق وتقول بأسى "كان عمري ثلاثين سنة عندما أخذني أخي لدار العجزة" تحني رأسها وتتوقف للحظات عن الكلام، فشريط الذكريات الحزينة لا يزال جاثما على صدرها تتجرع تفاصيله العصية على النسيان.

وتحكي للجزيرة نت كيف انفرط عقد شبابها بين المسنين "كل من يأتي للمركز يقضي مدة من الزمن ويموت"، لكنها ظلت سنوات هناك محرومة من النور ومن سند العائلة وكأنها اقتلعت من جذورها "كنت أتلقى رعاية خاصة، اهتموا بي جيدا، لكن ذلك لم يشفِ جرح تخلي عائلتي عني".

عائشة تجلس على طرف السرير في غرفتها المتواضعة بعد الزواج (الجزيرة)

حكاية عزيز
أما عزيز الذي عاش حياته طولا وعرضا وعمل طباخا في فنادق مصنفة ومطاعم شهيرة فقد انتهى به الحال وحيدا في دار المسنين بعدما خذلته صحته، ولم يجد سقفا يؤويه أو أسرة ترعاه.

يتدحرج هذا الرجل الستيني نحو هوة المرض بسرعة، يتحدث عن حياته الجديدة بينما صوت صفير ينبعث من صدره المريض "عشت حياتي بدون تفكير في المستقبل، المرض غير حياتي وأضعفني بعدما كنت أظن أنني سأظل قويا وواقفا على قدمي إلى النهاية".

"مرسول الحب"
وكان أول لقاء بين عائشة وعزيز في إحدى الرحلات التي نظمها المركز لنزلائه، اقترب منها وتبادلا الكلام، يتذكر عزيز تلك اللحظات ويبتسم وهو يحكي كيف كانا يلتقيان خفية عن الجميع أو يتواصلان عن طريق من سماها "مرسول الحب" - وهي إحدى صديقات عائشة- بعدما لفت قربهما من بعضهما أنظار نزلاء المركز.

"كنا مثل قيس وليلى، وكان الجميع ينظر إلى تقاربنا ولقاءاتنا في سطح المركز بعدم الرضا، بينما كنا مصرين على قضاء المساءات معا نتبادل حكي الهموم والأشجان" يقول عزيز وهو يضع يده عل يد زوجته بينما تحني رأسها خجلا.

طقس حناء عائشة وعزيز في حفل زفافهما بدار المسنين (الجزيرة)

إصرار على الزواج
لم يكن زواجهما خطوة سهلة، فعائشة التي تخلت عنها أسرتها لم تكن تتوفر على بطاقة هوية، مما استلزم سفرهما معا إلى مسقط رأسها في أزيلال وإقناع أقاربها بمساعدتها على تجهيز الأوراق اللازمة.

يحكي عزيز كيف استعجل مسؤولا بالمحكمة من أجل استخراج الوثائق اللازمة لعقد الزواج، فقال له "إن كنت تحبها فما عليك سوى الانتظار"، وهكذا ظلا في المنطقة حوالي ثلاثة أشهر إلى حين انتهاء المعاملات.

واحتفل مركز رعاية المسنين بزواجهما في عرس كبير موله محسنون، واستمر يومين وفق العادات والتقاليد، وارتدت عائشة في ليلة الحناء اللباس الأخضر وخضبت يداها بالنقوش، وأطلت في يوم العرس بمجموعة من الإطلالات كما هو معروف في حفلات الزفاف المغربية.

تتذكر عائشة العرس وتبتسم قائلة "كان حفلا مميزا، فأنا أول مرة أتزوج"، في حين يطلعنا عزيز على بعض الصور التي يخزنها في ذاكرة هاتفه، ويشير إلى الهدايا التي أهديت لهما في العرس من المحسنين.

 هدايا العروسين في حفل زفافهما بدار المسنين (الجزيرة)

أمل وتفاؤل
ووجد الكثيرون في زواج عائشة وعزيز رسالة إيجابية مفادها أن تقدم العمر والإقامة في دار المسنين لا يعنيان انتظار الموت، بل يمكن لمشاعر المحبة والمودة أن تشكل بداية جديدة لحياة مفعمة بالأمل والتفاؤل.

ويقول مدير مركز استقبال الأشخاص المسنين في منطقة عين عودة بضواحي الرباط عزيز اهنان إنه تفهم رغبة عائشة في المضي في هذا الزواج، مضيفا أن كبار السن لا يحتاجون إلى سقف يؤويهم والعلاج والتغذية، بل يحتاجون أكثر إلى شخص يملأ فراغ حياتهم ويؤنسهم في وحدتهم، ويحتاجون إلى من ينصت لهم ويهتم بهم ويحبهم كما هم.

ويضيف اهنان للجزيرة نت أنه جالسهما عندما عبرا عن رغبتهما في الزواج، وشرح لهما الصعوبات التي قد يواجهانها خارج المركز، فعائشة كفيفة وعزيز لا يقوى على العمل بسبب مرضه، غير أن عائشة -كما يقول- أبدت استعدادها لمواجهة كل العراقيل والتحديات، ولم يجد الجميع أمام إصرارهما سوى مباركة هذا الزواج ومساعدتهما معنويا وماديا على بدء هذه الحياة الجديدة.

عزيز يقول "أنا عيناها وهي يداي وسنساند بعضنا إلى النهاية" (الجزيرة)

أول حالة زواج
وحسب اهنان، فإنه لم يسبق له تسجيل حالة زواج بين نزلاء مراكز المسنين، فهؤلاء يأتون إلى المركز في وضعيات صحية صعبة بعد تخلي عائلاتهم عنهم أو لأنهم بلا عائلات.

ويبلغ عدد الأشخاص المسنين (60 سنة فما فوق) بالمغرب حسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 حوالي ثلاثة ملايين شخص، وهو ما يمثل 9.4% من مجموع السكان.

وحسب وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، يوجد بالمغرب 61 مركزا للرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، وهي تستقبل 3100 مقيم، تمثل نسبة النساء منهم 52% والرجال 48%.

معا إلى الربيع
وعلى الرغم من الحياة الصعبة التي تنتظرهما في خريف عمرهما بسبب عدم وجود دخل مادي لهما يأمل كل من عائشة وعزيز أن يلون الحب والألفة التي جمعت بينهما أيامهما المقبلة بألوان الربيع، وأن يتغلبا معا بما ظل معهما من قوة على كل المصاعب، وبنبرة متفائلة يقول عزيز "أنا عيناها وهي يداي وسنساند بعضنا إلى النهاية".

المصدر : الجزيرة