الأردنية منال النشاش.. أنامل ناعمة تُطوع الصخر وتصوغ الطين

الأردنية منال النشاش.. أنامل ناعمة تُطوع الصخر وتصوغ الطين

الخزافة منال النشاش ولحظة استغراق في صياغة الطين (الجزيرة)
الخزافة منال النشاش ولحظة استغراق في صياغة الطين (الجزيرة)

خالد المجالي-عمان

عند الحديث عن الحرف اليدوية في الأردن بوصفها فنا وصناعة سياحية وتزيينية مميزة، يبرز في المقدمة اسم الخزافة والخطاطة المختصة بالحرف التقليدية منال النشاش، فرغم أن ذلك القطاع بوصفه نشاطا فنيا وتجاريا وسياحيا احتكره بشكله الاحترافي الرجال منذ أجيال، فإن منال اقتحمته بقوة متسلحةً بموهبتها وثقافتها البصرية الرفيعة، وبإرادة قوية راسخة لا تلين أمام تعليقات أولئك المشككين دوما في قدرات المرأة وبراعتها في العمل.

الخزافة الأردنية منال النشاش تعمل في هذا المجال منذ ثلاثة عقود، وهي تستلهم من الصخر صلابته، ومن الطين ليونته، تقف أمام أفران الخزف الضخمة لساعات طويلة، تجول في كافة أرجاء الأردن، في البوادي النائية والأرياف وأحياء المدن الفقيرة، تٌعلم السيدات والرجال وحتى أطفال المدارس تلك الحرفة.

وقد أسست جمعيات عدة لإنقاذ الحرف اليدوية من الاندثار، وأهمها جمعية صناع الحرف التقليدية، ومثلت الأردن في ملتقيات متخصصة، قدمت فيها خبراتها ورؤيتها لتقديم منتج جمالي وسياحي يستوحي التراث من منظور معاصر، فحازت على التكريم في الصين ومصر ولينان ودول خليجية.

ثقة وتحد وإبداع متجدد في سمبوزيوم شنغهاي للفنون بالصين (الجزيرة)

مسيرة التحدي والاحتراف
في حديثها للجزيرة نت عن تجربتها، أكدت منال النشاش على المصاعب الجمَّة التي واجهتها خلال مسيرتها بوصفها امرأة أولا وحرفية ثانياً.

وقالت إن "الحرف اليدوية ذات قيمة تاريخية وفيها من الفنية والخصوصية والإبداع الشيء الكثير، ولكنها ذات مصاعب وخاصة على المرأة كاحتراف وعمل يومي، والخزف بالذات بحاجة لأفران ومعدات وجهد ذهني وبدني عال في مشاغل ومصانع متخصصة مما جعله في الماضي حكراً على الرجال بينما تُرك للمرأة الفنون السهلة غير المتعبة والتي يمكن إنجازها فقط بالمنزل".

فخاريات ذهبية وفسيفساء قديمة
درست منال النشاش الحاسوب، لكنها عادت والتحقت بمسارات تدريس الخط العربي والحرف اليدوية، وفي الوقت ذاته لفتت موهبتها عددا من المؤسسات المختصة، فكانت تعمل أثناء الدراسة في مركز الخزف الوطني ومركز أديم للحرف اليدوية.

بعد ذلك أسست مشغلها الخاص، حيث كانت المرأة الوحيدة في الأردن التي تمتلك مشغلا وفرنا حراريا ضخما خاصا تصنع فيه كل القطع من الألف إلى الياء.. فخاريات مزخرفة بماء الذهب، فسيفساء تستوحي رموزا حضارية قديمة، تحف مختلفة وهدايا تضفي الجمال والبهجة على البيوت، وغيرها الكثير من الصناعات اليدوية التي باتت كثير من الدول العربية تستوردها من الخارج رغم ارتباطها بالهوية الوطنية.

الغازات المنبعثة من الفرن، والمواد الكيميائية المختلفة، وخطر الكهرباء ودخان النار والرصاص والأكاسيد، كل ذلك شكل تحديا كبيرا بالنسبة لها، ومخاطر على صحتها، حاولت تجنبها قدر الإمكان.

وتضيف النشاش "ليس سهلاً مطلقا أن تنقطع امرأة عن حياتها الاجتماعية معظم ساعات النهار وطيلة أيام الأسبوع، وتواجه مخاطر صحية في سبيل إثبات ذاتها عبر التخصص في صناعة حرف تقليدية مطورة، وتعليم ذلك أيضا للآخرين لا سيما للسيدات".

إحياء العلاقة الفنية مع الطين خلال ورشة عمل في إحدى مدارس عمّان (الجزيرة)

تمكين المرأة الأردنية
أطلقت الخزافة النشاش، وبالتعاون مع جهات رسمية وخاصة في الأردن، برامج تنموية لتمكين المرأة الأردنية وتعليمها أصول حرفة الخزف، لا سيما وأن هذا القطاع مزدهر في الأردن كونه مقصدا سياحيا لملايين السياح الأجانب والعرب سنويا، وتنتشر في أسواقه محال الهدايا التذكارية وبازارات التحف.

وعن ذلك أوضحت للجزيرة، "يتم تطوير الحرف التقليدية وصناعتها بحمايتها وتسهيل العمل بها أولا ومن ثم بتمكين السيدات وتأكيد وتعزيز ثقتهن بقدراتهن، وذلك ما تقدمه مؤسسة أديم للفنون والحرف بتنظيم مجموعة من البرامج التدريبة، وتبدأ بالتمكين النفسي والاجتماعي والفني للوصول لتمكين اقتصادي يعزز لدى السيدات النشاط والإرادة والعمل في قطاع الحرف".

وبينت منال النشاش أنها تعاونت كذلك مع جهات حكومية كوزارة الثقافة وأمانة عمّان الكبرى وصناديق دعم البوادي والأرياف، في إقامة ورش عمل مخصصة للنساء يتم فيها تعليمهن الحرف اليدوية من خزف وفخار وفسيفساء وهدايا تذكارية وغيرها.

 مشاركة فاعلة في الملتقيات العالمية وهنا في سمبوزيوم شنغهاي للفنون (الجزيرة)

المرأة قادرة دائما
منال النشاش ترى أنها بحفاظها على الموروث الحرفي لبلدها تؤدي واجبها كمواطنة منتمية أولا، ثم كسيدة تدافع عن حق المرأة في التعلم والعمل والإبداع في شتى المجالات إلى جانب الرجل.

"إنه واجبي الذي أديته بمتعة بالغة، وأرى أن بداخلي طاقة تتجدد كل يوم ورغبة في تعليم مزيد من الموهوبات في ذلك المجال سواء في بلدي أو حتى في بلاد عربية وأجنبية، وشعاري (المرأة قادرة دائما)". بهذه الكلمات تنهي الخزافة وفنانة الخط والفسيفساء منال النشاش حديثها للجزيرة نت داعيةً لضرورة الحفاظ على موروثنا الفني والثقافي والحضاري، والثقة الدائمة بقدرات المرأة وعزيمتها وتنمية مواهبها.

تعليم السيدات الأردنيات الحرف اليدوية بدءًا من تطويع الكتل الطينية.. ورشة عمل في مدينة معان جنوبي الأردن (الجزيرة)

تصاميم وأفكار جديدة
عبد الرزاق المحيسن حرفي متخصص في هذا المجال الإبداعي، وهو رئيس سابق لجمعية صناع الحرف التقليدية، قال إن منال النشاش من الأسماء المعروفة والمشهود لها في تطوير قطاع الحرف التقليدية في الأردن، حيث لعبت دورا في تأسيس الإطار التنظيمي الأكبر لأصحاب هذه المهنة في الأردن، وقامت بتطوير ذلك القطاع والاشتغال على تصاميم وأفكار جديدة.

وشدد المحيسن على دورها في المشهد الحرفي الأردني، وقال إنها من القلائل في هذا المجال الذين أعطوا الحرفي وخاصة السيدات الحرفيات الاهتمام اللازم، فأطلقت مبكراً ورشات عمل متخصصة للموهوبين والقادمين الجدد لذلك المجال، وبالإضافة إلى حرفيتها العالية اهتمت بإيجاد البيئة السليمة للحرفيات الأردنيات من حيث مشاركتهن في معارض وملتقيات فنية، كما كان صوتها عالياً دائماً في المطالبة بحقوق كل من ينتمي لذلك القطاع.

المصدر : الجزيرة