قاصرات رهن الوصاية.. السعوديات في انتظار طويل من أجل الحرية

رصد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش "قاصرات إلى الأبد" الانتهاكات بحق المرأة السعودية استنادا لـ109 مقابلات (رويترز)
رصد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش "قاصرات إلى الأبد" الانتهاكات بحق المرأة السعودية استنادا لـ109 مقابلات (رويترز)

زهراء مجدي

ربما ستنعم رهف القنون بعد الآن بنوم هادئ بعد أن ظلت أسبوعا تحت تهديد العودة إلى السعودية التي هربت منها بسبب إساءة معاملتها وخوفًا من قتلها، حسب قولها، حيث حصلت على حق اللجوء في كندا، بعد تغريدات مستمرة منها لفتت انتباه المنظمات الحقوقية والعالم.

وأيا كانت التقييمات الأخلاقية والأيديولوجية لما قامت به "فتاة تايلند" حسب ما باتت تعرف به، فإن قضيتها أعادت تسليط الضوء مجددا على الأوضاع الحقوقية الشائكة التي تعاني منها المرأة السعودية.

فوفقا للقانون السعودي، فإن ما فعلته رهف مخالفة كبيرة، إذ يتطلب نظام الوصاية من المرأة الحصول على موافقة قريب ذكر من أجل اتخاذ قرارات أساسية في حياتها، بما في ذلك إذن السفر، والطلاق، وفتح حساب مصرفي، والزواج، والتقدم بطلب للحصول على جواز سفر، وبدء مشروع تجاري، والدراسة.

كما أن المرأة السعودية تُحرم من اتخاذ أقل القرارات شأنًا بالنيابة عن أطفالها، ويُطبق هذا النظام على كل النساء بالسعودية بغض النظر عن أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية، وحتى لو تعرضت المرأة للعنف والإساءة من الوصي.

ما قامت به المواطنة السعودية رهف القنون أعاد تسليط الضوء مجددا على الأوضاع الحقوقية الشائكة التي تعاني منها المرأة في بلدها (الجزيرة)

إذن زوجها لتشتكيه!
وهذه رواية ناشطة اجتماعية بمستشفى الحرس الوطني في الرياض، لهيومن رايتس ووتش. "جاءت امرأة سعودية في أواخر الثلاثينيات إلى المستشفى مرتين بعد أن أطلق زوجها عليها الرصاص، وبعد أن عالجناها أول مرة، ذهبت مع الشرطة لسؤالها إن كانت تريد التقدم بشكوى. وكي تفعل هذا فعليها أن تحصل على إذن زوجها لتقديم شكوى بالنيابة عنها في قسم الشرطة بحيها السكني، وبطبيعة الحال اختارت المرأة أن لا تتقدم بالشكوى. وحين أطلق عليها زوجها النار للمرة الثالثة ماتت متأثرة بجراحها في المستشفى".

إصلاحات على الطريق
في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي اتهمت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش السعودية بتعذيب ومضايقة بعض الناشطات المعتقلات جنسيًا، ونفى مسؤول سعودي هذه الاتهامات لرويترز، وتقدمت المنظمتان بطلب عاجل لزيارة الناشطات في السجن تحت اتهام واضح بإساءة السعودية معاملة النساء. يتزامن ذلك مع الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي دفع بها ولي العهد محمد بن سلمان في السنوات الأخيرة كجزء من خطته "رؤية 2030". 

وفقًا للخطة فمنذ يوم 6 يناير/كانون الثاني 2019، أصبحت المحاكم السعودية ملزمة بإخطار الزوجة بأنها مطلقة عن طريق رسالة نصية، مما يساعد النساء في معرفة أوضاعهن الاجتماعية والمطالبة بحقوقهن مثل النفقة، وعدم إساءة استخدام حق الطلاق من قبل الزوج.

وفي يونيو/حزيران 2018، رفعت البلاد حظرها على قيادة النساء السيارات، والتي كانت أشهر المحظورات على المرأة السعودية، كما شملت التدابير الأخرى المنتظرة تخفيفًا من قواعد لباس المرأة الصارم وخفض نفوذ نظام وصاية الذكور، والسماح للنساء بالتصويت والترشح في انتخابات البلدية التي تم استبعاد النساء منها منذ العام 2005 مع أول انتخابات بلدية لعدم توفر أماكن تصويت منفصلة لهن.

كانت تريد أن تشتكي زوجها.. وكي تفعل هذا فعليها أن تحصل على إذن زوجها لتقديم شكوى بالنيابة عنها في قسم الشرطة بحيها السكني (غيتي إيميجز)

وصاية مدى الحياة
تصل درجة امتداد سلطة ولي الأمر في حياة المرأة إلى أنه في العام 2005 حضرت فاطمة عزاز جلسة طلاقها وهي حامل، كانت فاطمة تبلغ من العمر 34 عامًا ومتزوجة من منصور التيماني. رفع شقيق فاطمة قضية طلاق جبري بعد وفاة والده بزعم أن النسب القبلي للتيماني غير متكافئ اجتماعيا للزواج من فاطمة ومضر بسمعة أسرتها، ورغم أن فاطمة أخطرت القاضي أنها تريد البقاء متزوجة فإنه حكم بالطلاق، وعندما رفضت فاطمة العودة لإخوتها من والدها، احتجز المسؤولون زوجها وابنيها الصغيرين في سجن الدمام العام، وتم نقلها لمركز احتجاز آخر في الدمام.

استند تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان "قاصرات إلى الأبد.. انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن نظام الولاية والفصل بين الجنسين في المملكة العربية السعودية"، إلى 109 مقابلات مع نساء طالبن بإخفاء هوياتهن، أثناء زيارة المنظمة الأولى للسعودية. تعرض التقرير لممارسات فرض ولاية الرجل والفصل بين الجنسين وإعاقتها لعمل المرأة بسبب الحاجة لتأسيس أماكن منفصلة للعمل للنساء، وعدم قدرتها على التعامل مع هيئات الحكومة دون وجود وكيل عنها، مما يضع المملكة في ذيل قائمة مؤشر الأمم المتحدة لتمكين المرأة.

وبسبب هذه الممارسات، يبلغ نصيب المرأة 10.7% من قوة العمل الإجمالية بالسعودية بعد استبعاد العاملين المهاجرين، علاوة على عدد من المجالات التي لا توجد بها عناصر نسائية لمنعهن من دراستها في الجامعة، ولوجود مواد في القانون تلغي المساواة بين الجنسين خاصة المادة 149، التي تنص على أنه "مع مراعاة وجوب الالتزام بالشريعة، يجب أن تعمل المرأة في المجالات التي تتفق مع طبيعتها".

محرومات من دخول المكتبة!
لا يساوي حق الحصول على تعليم جيد في السعودية بين الذكر والأنثى، فقد جاء بالمادة 153 من سياسة التعليم السعودية "يستهدف تعليم الفتاة تربيتها تربية صحيحة إسلامية لتقوم بمهمتها في الحياة، فتكون ربة بيت ناجحة وزوجة مثالية وأمًا صالحة". ومثل العمل، تعاني الفتيات من عدم توفر أماكن تعليم مناسبة وفرص أكاديمية جيدة مثل الذكور، كما أنه، على النقيض من نظرائهن من الذكور، فإن بوابات كليات الفتيات وأقسامهن تكون مغلقة خلال ساعات الدراسة.

لا تسمح جامعة الملك سعود للطالبات بدخول المكتبة العامة في حرم الجامعة إلا يومًا واحدًا في الأسبوع، ولا يسمح لهن بدخول مكتبة الملك فهد العامة، ولا يزال لا توجد برامج دراسية جامعية نسائية في مجال الهندسة والهندسة المعمارية والعلوم السياسية، ومحظور على النساء دراستها في الجامعات العامة، كما أنه لو رغبت الفتاة في استكمال دراستها بالخارج فعليها أن تكون متزوجة أو في رفقة ولي الأمر، مما تسبب في اضطرار الطالبات الجامعيات للزواج من أجل استيفاء شروط المنحة الدراسية.

وتعرض ممارسات الفصل بين الجنسين حياة الإناث للخطر، في عام 2002 نشب حريق في مدرسة ابتدائية للفتيات في مكة، ونجم عنه وفاة 15 فتاة، وطبقًا لشهود عيان لم تسمح هيئة الأمر بالمعروف بخروج الفتيات من المدرسة دون حجاب، مما أسهم في وفاتهن.

صورة متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي للناشطة السعودية إسراء الغمغام المعتقلة منذ عام 2015، التي طالبت النيابة العامة السعودية بإصدار حكم ضدها يقضي بـ"قتلها تعزيزا" بتهم تتعلق بالتظاهر (مواقع التواصل الاجتماعي)

إذن لدخول سيارة الإسعاف
بسبب ممارسات الفصل بين الجنسين والوصاية، تحتاج السلطات التعليمية لتصريح ولي الأمر للسماح بدخول سيارة الإسعاف إلى المدرسة في حالة الطوارئ وخروج طالبة في حالة صحية حرجة، ووفقًا للطالبات الجامعيات اللواتي تحدثن لهيومن رايتس ووش، فإن إدارة الجامعة تمنعهن من الخروج من الحرم الجامعي إلا بعد التحقق من هوية الوصي الذي يحضر لاصطحابهن، حتى في حالة مرض الطالبة وحاجتها للخروج، هذا بخلاف أن بعض الأماكن التي لا تتطلب إذن ولي الأمر بشكل قانوني تطبق نظام الوصاية على النساء لإتمام الإجراءات مثلما قالت نساء سعوديات ومقدمو خدمات صحية عن بعض المستشفيات التي تطلب إذن ولي الأمر لإجراء عملية طبية للمرأة أو للسماح لها بالخروج من المستشفى.

المصدر : الجزيرة