المستلزمات الصحية الضرورية.. "رفاهية" تدفع ثمنها المصريات
عـاجـل: هيومن رايتس ووتش: الحكومة المصرية تتحمل مسؤولية وفاة مرسي نظرا لفشلها في توفير الرعاية الطبية الكافية أو حقوق السجناء الأساسية

المستلزمات الصحية الضرورية.. "رفاهية" تدفع ثمنها المصريات

النساء في مصر يعانين من الارتفاع المستمر بأسعار المستلزمات النسائية الضرورية فيلجأن إلى وسائل أخرى (غيتي)
النساء في مصر يعانين من الارتفاع المستمر بأسعار المستلزمات النسائية الضرورية فيلجأن إلى وسائل أخرى (غيتي)

 فريدة أحمد-القاهرة

تعاني النساء في مصر من الارتفاع المستمر بأسعار المستلزمات النسائية الضرورية، ويتضح أثر هذا الارتفاع لدى الطبقات الأقل دخلا، خاصة في ما يتعلق بالمستلزمات الدورية مثل "الفوط الصحية"، واليومية كـ"مزيلات العرق" التي تصنفها الحكومة سلعا ترفيهية.

وتبحث محدودات الدخل عن بدائل أقل سعرا وأقل جودة لكن أسعارها ترتفع بعد فترة، فيبحثن عن بدائل أخرى أقل حتى وصل الأمر إلى اللجوء للبدائل الأكثر بدائية وخطرا على الصحة.

السلع الاستفزازية
في عام 2016 أصدرت الحكومة المصرية قرارا بزيادة التعريفة الجمركية على 364 سلعة مستوردة وصفتها بـ"السلع الاستفزازية" بنسبة تتراوح بين 10 و60%، ومن بين تلك السلع التي شملتها التعريفة الجمركية مستحضرات العناية بالجسم ومزيلات العرق، دون الإشارة بوضوح إلى الفوط الصحية النسائية.

لكن ما حدث على أرض الواقع من ارتفاع كبير لأسعار الفوط الصحية بعد ذلك القرار حيث قفز سعر المحلي بنسبة 100% يعد مؤشرا مهما على أن الغلاء طال كل السلع حتى التي لم يتم ذكرها صراحة.

وسائل بدائية قديمة
تختلف شرائح المستهلكين في مصر، وتعد الطبقة الفقيرة هي الأكثر تأثرا برفع الأسعار، ومن بينها أم محمود، وهي عاملة منزلية تسعى لتوفير احتياجاتها الأساسية، ومن ضمنها الفوط الصحية. 

تقول أم محمود إنه بعد ارتفاع أسعار الفوط الصحية بدأت تظهر في الأسواق الشعبية أنواع غير معروفة وأقل سعرا، لكنها أقل كفاءة وقد تتسبب في مشكلات صحية نسائية تتطلب تكلفة إضافية لعلاجها، مما دفعها إلى استخدام وسائل بدائية غير صحية.

وتعد أم محمود واحدة من بين 12 مليون امرأة معيلة في مصر، وتعمل في تنظيف المنازل بأجر يومي للإنفاق على طفليها بعد أن طلقها زوجها منذ ثماني سنوات وامتنع عن الإنفاق على ولديه.

وبعد لجوئها إلى الوسائل البدائية اضطرت للتوقف عن العمل طوال فترة الحيض، وهو ما يهدد قدرتها على إطعام طفليها.

الفوط الصحية كانت دائما تعتبر ترفا في مجتمع لا يتعامل مع اهتمامات النساء كما يتعامل مع اهتمامات الرجال (الجزيرة)

فقر الدورة الشهرية
التجاهل الذي تتعامل به الحكومة مع مستلزمات ضرورية للمرأة يبدو منطقيا إذا ما قورن الوضع بالدول الغربية التي يتم التعامل فيها مع المرأة بشكل أكثر تحضرا، حيث تعاني معظم تلك الدول المتحضرة من ارتفاع أسعار الفوط الصحية، مما دفع عضوة مجلس النواب الإنجليزي ستيلا كريسي عام 2015 للمطالبة بإلغاء الضريبة المضافة على سعر الفوط الصحية باعتبارها سلعة ضرورية فقالت "الفوط الصحية كانت دائما تعتبر ترفا.. وهذا الأمر ليس صدفة لأنه نتاج مجتمع غير متساوٍ لا يتعامل مع اهتمامات النساء بالقدر نفسه الذي يتعامل به مع اهتمامات الرجال".

وفي أغسطس/آب 2018 نشرت شركة بريطانية مختصة بالمنتجات الصحية إعلانات في عدد من الصحف المحلية للفت النظر لما يسمى "فقر الدورة الشهرية"، حيث لا تتمكن واحدة من بين كل عشر فتيات بريطانيات من شراء فوط صحية، فتضطر لاستخدام الجوارب أو ورق الجرائد بديلا رخيصا لها.

المعاناة التي تشعر بها المرأة للحصول على فوطة صحية في دولة أجنبية تتضاعف عند المرأة المصرية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية ووصول معدل الفقر لأعلى مستوياته. 

لكن الأزمة لم تقتصر على الفوط الصحية بل طالت أغلبية المستلزمات النسائية الأخرى، حيث ارتفعت أسعار مزيلات العرق بصورة جعلت الكثيرات يتوقفن عن استخدامها ويبحثن عن بدائل أخرى.

ليمون وشبّة لمواجهة الغلاء
الليمون وصفة شعبية قديمة لمواجهة رائحة العرق أعادت الكثيرات إحياءها لمواجهة ارتفاع أسعار الوسائل المتطورة، لكنها وصفة قديمة لحياة قديمة.

وتقول إحدى الفتيات التي جربته إنه "غير فعال في معالجة آثار التعرق لفترة طويلة، وربما يسبب التهابات ومشكلات صحية أخرى".

بسمة طالبة جامعية تقطن في حي دار السلام الشعبي جنوب القاهرة تقول "قبل 3 سنوات كنت أستعمل مزيل عرق معروفا بـ8 جنيهات (ما يعادل 0.45 دولار) ارتفع سعره الآن إلى 27 جنيها (ما يعادل 1.51 دولار)".

وأضافت "توقفت عن استخدام الأنواع الرخيصة لأنها تسبب لي التهابات جلدية استلزمت علاجا طبيا لفترة طويلة". 

وتؤكد بسمة أن تلك المزيلات "المضروبة" على حد قولها قفز سعرها من 7 إلى 13 جنيها مرة واحدة (0.39-0.73 دولار) ولم تجد بدا من استعمال الليمون لإزالة رائحة العرق لكن ارتفع سعره أيضا "وصل 15 جنيها (0.84 دولار) للربع كيلو، فاتجهت لاستخدام الشبة"، وهي عبارة عن مركب كيميائي صلب وشفاف لا لون له، وله استخدامات عدة، من بينها الحد من رائحة العرق.

المعاناة التي تشعر بها المرأة للحصول على فوطة صحية في دولة أجنبية تتضاعف عند المرأة المصرية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية (غيتي)

الحيض.. السر المشين
أسعار المستلزمات النسائية الصحية تمثل عبئا ماديا وإن بدا الثمن زهيدا، خاصة أن نسبة الفقراء في مصر وصلت إلى 27% عام 2015 بعد أن كانت 25.2% عام 2011، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة. 

في المجتمعات العربية يعتبر الحديث عن الحيض محظورا فلا تعرف عنه الفتاة شيئا حتى يفاجئها عنوة عند البلوغ، ويصبح مادة للسخرية بين الشباب وأمرا مشينا داخل الأسرة، كيس أسود وأوراق صحف قديمة لإخفاء تلك العبوة الزهرية الفاضحة يتبرع الطبيب الصيدلي بذلك، فهو ابن تلك الثقافة وذلك المجتمع مهما حصد من علم.

وفي الأعوام الأخيرة تحولت المستلزمات النسائية -تحديدا الفوط الصحية- إلى قضية كبرى في معظم دول العالم بعد مظاهرات واحتجاجات نسائية عدة على أرض الواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي مطالبة بخفض الضرائب عن تلك المنتجات باعتبارها سلعا مهمة وضرورية تحتاجها المرأة بشكل منتظم لما يقارب أربعين عاما من عمرها.

مطالب تحتاج لانتفاضة
استجابة لذلك الحراك النسائي في يوليو/تموز 2018 ألغت الهند ضريبة بقيمة 12% على منتجات النظافة الصحية، وذلك بعد حملات عدة دشنها ناشطون، مؤكدين أن الضريبة سوف تجعل الفوط الصحية أبعد عن متناول المستهلكين، وذلك في بلد تشير التقديرات إلى أن نحو أربع من كل خمس نساء لا يستطعن الحصول على هذه المنتجات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه قررت أستراليا إلغاء ضريبة مثيرة للجدل على منتجات النساء الصحية بعد سنوات من حملات قادتها منظمات وجماعات حقوق المرأة منذ ما يقارب 18 عاما. 

أما في مصر فلا توجد إحصائيات أو أرقام أو حتى منظمات نسوية تتحدث عن الحيض وضرورة استعمال الفوط الصحية وتوفيرها بأسعار مناسبة هي ومنتجات العناية بالجسم، ولا توجد مطالبة بيوم راحة "إجازة" في أول أيام الحيض كما هو معمول به في بعض الدول، مثل الهند والصين واليابان وكوريا. 

ولا يأتي أحد على ذكر تلك المنتجات أو ذكر المآسي اليومية التي تتعرض لها المرأة الفقيرة للحصول على فوط صحية لدورتها الشهرية، لكن حينما يصل الأمر إلى مستلزماته الضرورية تعتبره الدولة "رفاهية" لا بد أن تدفع ثمنها.

المصدر : الجزيرة