هكذا انتصرت "نعومة" اليمنية لصغيرات بلدها من هولندا

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

هكذا انتصرت "نعومة" اليمنية لصغيرات بلدها من هولندا

طرفه الفضلي-أمستردام

تتحدث ست لغات على الرغم من أن عمرها 21 عاما فقط، بل ألفت كتابا باللغة الهولندية فازت من خلاله بجائزة الهجرة في هولندا عام 2016، ليس هذا فحسب فهي أيضا عازفة للموسيقى، وحائزة على مراكز متقدمة في بطولة الكاراتيه الأوروبية، وها هي تدرِّس في جامعة رادبود الهولندية بقسم علم النفس، إنها ابنة مدينة الوهط اليمنية الحضرمية نعومة السقاف.

تتذكر نفسها وهي طفلة على كتف والدها حسين السقاف في هذا البلد الذي جاء أبوها إليه لاجئا مع أمها في تسعينيات القرن الماضي ليمتلك فيه اليوم هو ووالدتها رفيقة دربه على مقاعد الدراسة وفي الحياة مكتبا ناجحا للاستشارات الهندسية.

لا يزال والدها يتذكر تلك الصباحات الباردة في بلاد الاغتراب حين كانت دراجته الهوائية وسيلته الوحيدة في التنقل "نظرا لظروفي المعيشية الصعبة آنذاك" كما يقول، فقد كان يذهب فجر كل يوم قاطعا ساعات بالدراجة إلى الجامعة ثم بعدها إلى العمل.

مواجهة التحديات
حرص والداها على تنشئتها هي وأختها تنشئة تخولهما لرفع راية التميز في محيط اجتماعي أوروبي مختلف عن بيئة اليمن
المحافظة ومليء بالتحديات وبعض النظرات العنصرية تجاه المهاجرين، خصوصا المسلمين منهم.

"من قلب معاناة والدينا صنعنا النجاح، فقد أصبحت مريم أصغر موظفة سياسية في البرلمان الهولندي، وأنا صرت أصغر كاتبة حائزة على جائزة الهجرة" تقول نعومة، إذ شقت أختها مريم الطريق إلى البرلمان الهولندي ووجدت فيه فرصة قلما تسنح لمهاجرة مثلها، خصوصا في بلد سجل فيه تراجع خلال الأعوام الأخيرة في عدد البرلمانيين من أصول مهاجرة.

أما نعومه -وعلى صغر سنها- فهي كاتبة، لا تخلو مقالاتها من انتقادات لاذعة لبعض السياسيين في أوروبا، خاصة في هولندا.

نعومة ألفت كتابا باللغة الهولندية حصلت به على جائزة الهجرة (الجزيرة)

الكتاب الأصفر
قد تكون نعومة حكاية طفلة مرفهة ولكنها كانت تشاهد كل ما يحدث في بلادها "اليمن" من معاناة تتعرض لها الفتاة، من هنا قامت نعومة بتقديم كتاب "اللون الأصفر" الذي قادها للحصول على جائزة الهجرة، ومن خلاله تروي قصة معاناة إحدى فتيات اليمن بدقة.

وترجمت من خلال كتابها مأساة تشهدها نحو 52% من فتيات اليمن تحت سن الـ14، بحسب إحصائيات مركز دراسات المرأة والتنمية في جامعة صنعاء، وأن توصل هذه المعاناة بطريقتها الخاصة إلى العالم، إنها مأساة الزواج المبكر.

اغتيال طفولة
هناء هي بطلة الكتاب، وهي كل طفلة يمنية، اغتالت طفولتها العادات والتقاليد تحت عرف الزواج المبكر، عرف ذهب ضحيته الكثيرات من زهور اليمن لعدم تحمل أجسادهن الصغيرة، إذ إن الأسرة والقانون اليمني يشرعن زواج الأطفال، حيث تختصر بطلة كتاب نعومه "هناء" معاناتها قائلة "إنها أسيرة بمكان بعيد في زاوية سوداء من ذاكرة الإنسانية".

حين تمر عيناك بين سطور كتاب "نعومه" تشعر لوهلة بأنك تعيش الألم لحظة بلحظة، ويتسرب إليك الخوف والفزع الذي تعيشه تلك الصغيرات، و"تشعر بأن الدم الجاري ينزف من روحك العاجزة عن وقف هذه الجريمة التي تشهدها المستشفيات يوميا"، وهو ما يريد أن يقوله الكتاب.

نعومة تعيش حياة جيدة في هولندا لكنها لم تنس أطفال اليمن (الجزيرة)

ثقافات متعددة
من جهته، يقول الكاتب الهولندي والناقد الأدبي من أصل يمني سعيد الجريري إن "نعومة" تمتلك خطوات هادئة نحو امتلاك أدواتها في الكتابة الأدبية، كما تمتلك حسا أدبيا يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تبقى عالقة في عقلها الباطن، مما يجعلها تثير الأسئلة وتبحث عن الإجابات محتفظة بالمسافة بينها وبين ما حولها، ولا يهدأ لها بال إلا بتدوين ما يشبه الإجابات.

ويضيف الجريري "لعل انتماء نعومة إلى أكثر من ثقافة يفتح أفق رؤيتها على التعدد والتنوع والاختلاف". 

وطن بقلب مهاجرة
تحت سماء هولندا تعيش نعومه، لكن على الرغم من ذلك فإن بلاد جداتها وأجدادها متجذرة في أعماقها، ويتجسد ذلك بمعايشتها معاناة الإنسان الرازح هناك تحت آهات الحرب والفقر والجوع والمرض.

وبكتابها تحاول نعومة لفت الرأي العام الأوروبي إلى مأساة وطنها، لعل شيئا فيه يتغير ويشق طريقه الوعر واصلا إلى الخلاص من مآسيه كما شق كل من نعومه وأختها ووالداها في بلد الغربة بخطى ثابتة طريقا شاقا طويلا مليئا بالتحديات إلى النجاح.

المصدر : الجزيرة