نابشات القمامة في تونس.. ألم تدوير الأمل

حياة تبحث في حاوية قمامة عن قوارير بلاستيكية (الجزيرة)
حياة تبحث في حاوية قمامة عن قوارير بلاستيكية (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

تسابق "حياة" أنفاس الصبح، تخشى أن تدركها الأعين بمعطفها وحذائها الرجالي الثقيل، تحاول أن تكتم صرير عربتها المتهالكة الفارغة والمثقلة هموما وأملا في العثور على حاويات قمامة مجزية، تحمل بيمينها عصاها المعتادة التي تهش بها كلاب الطريق، ولها فيها مآرب أخرى.

ومع بزوغ الخيوط الأولى للفجر في حي الوكايل من مدينة منوبة شمال الجمهورية التونسية معقل قصور البايات الذين حكموا البلاد لقرون تلوح وسط أحد الأزقة المظلمة والمقفرة للحي السيدة "حياة" تجر عربة صغيرة مثقلة أكياسا وآلاما وقوارير بلاستيكية فارغة.

حياة تدفع عربتها المليئة بالنفايات متجهة إلى مركز تجميع لبيعها (الجزيرة)

"حياة" امرأة تونسية تبلغ من العمر 48 عاما، أم لثلاثة أطفال من زوج أقعده المرض عن العمل، لم تنل حظا من التعليم يؤازر حظوظ بحثها عن عمل كريم يحفظ كرامتها وهي على أبواب عقدها الخامس، ولا انتسابا لعائلة ميسورة تسند ضعفها وسنينها العجاف.

لم تطق نظرات الزوج العاجز واستغاثة أمعاء أطفالها الخاوية فهربت على استحياء إلى حاويات القمامة تجمع النفايات البلاستيكية تبيعها لمراكز إعادة تدوير النفايات لتعتاش منها مثل مئات النساء اللواتي غصت بهن مصبات قمامة العاصمة تونس في السنوات الأخيرة.

الحلقة الأضعف
"حياة" ومثيلاتها ممن احترفن نبش القمامة هن الحلقة الأضعف في منظومة بيئية أرستها تونس منذ سنة 2005 عن طريق بعث وكالة التصرف في النفايات، وتهدف أيضا إلى توفير فرص عمل لأصحاب الشهادات الجامعية بتأطيرهم لبعث مراكز تجميع وإعادة تدوير النفايات.

تحاول أن توهمنا بالبحث عن كيس أو شيء ما علق بالعربة فأعاق تقدمها لتجيبنا باقتضاب "لا أعلم مصير حمولات عربتي، هذا لا يهمني، كل ما يعنيني أنني أعود بالدنانير في جيبي ثمنا لخبز أطفالي"، ربما لا يتحمل عقلها أكثر من تلك المعادلة البسيطة ليستمر في الحياة.

تسرح بنظراتها إلى السماء ثم تدفع العربة المثقلة بالنفايات والأحزان، تئن العربة من هذا الحمل وتئن معها حياة نحو مغامرة جديدة وقمامة جديدة، إذ لا سبيل إلى الراحة أو حتى التثاقل فلربما تمطر غدا فيبكي الأطفال جوعا، إذ لطالما أقعدها الزمهرير عن المسير.

أكداس النفايات البلاستيكية داخل مركز لتجميعها (الجزيرة)

متنكرة
تتخذ من جدار إحدى البنايات متكأ لها ومن العربة ستارا، هي تخشى الأعين التي تحتقر ثيابها وشكلها، تخشى أيضا طردها وإبعادها، في هذا المشهد يخالجك إحساس غريب بأن العربة تحتضن "حياة" بل وتقف سدا منيعا أمام أبناء مدينتها الذين يستنكرون وجودها.

تقول بعد أن اطمأنت للجدار وسكنت للعربة إنها تعيش يوميا خوفا مضاعفا على أطفالها الذين تتركهم نياما وعلى نفسها أيضا، مما يجبرها على الخروج فجرا متنكرة بزي رجالي، ولا سيما أنها تقطن غرفة في أحد الأحياء الساخنة بالضاحية الغربية لتونس العاصمة.

تبدأ جولتها قبل بزوغ الشمس بالنفايات التي تلقيها المطاعم والمقاهي في ساعات متأخرة من الليل، تحفظ المواقيت عن ظهر قلب كي لا يسبقها أحد في هذا العدو الصباحي المحموم فلربما مع قوارير البلاستيك تظفر بشيء من الطعام الذي كسدت تجارته في الليلة السابقة.

بعد المقاهي والمطاعم تنهمك في عملية رصف وشد معقدة للحمولة ثم تحث الخطى نحو الأحياء السكنية لتنطلق رحلة النبش والفرز في القمامة على مدار اليوم في معركة قذرة تحط أوزارها قبل غروب الشمس في أحد مراكز تجميع النفايات البلاستيكية بالعاصمة.

مخاطر يومية
تقطب جبينها دون أن تنظر إلينا وتمسح بعبث على دولاب العربة كأنها تستعين بها لفتح صفحات مؤلمة من دفاتر ذكرياتها، تحاول لملمة الحديث وما تبقى من أطراف معطفها، لكن يبدو أن سيل الألم أقوى من أن تصده الشفاه وأن يمنعه استنجادها بدولاب العربة.

تقول "حياة" إن الحياة قاسية قساوة إسفلت الشوارع الذي تجوبه يوميا، تصرع كلاب الصباح السائبة وثقل أكياس البلاستيك حينا، وتصرعها قساوة البشر في كثير من الأحيان، إذ لا قبل لها بمواجهة الرجال الذين يمتهنون مهنتها، فتترك الغنيمة مكتفية بأقل الأضرار.

غزو نسائي
محمد كهل في العقد الرابع من العمر صاحب مركز لتجميع نفايات البلاستيك في محافظة منوبة بالعاصمة التونسية، يفيد بأنه في السنوات الخمس الأخيرة بدأ يلاحظ تزايدا كبيرا في أعداد النساء اللواتي يلجأن إلى مزاولة هذا النشاط الذي احتكره الرجال على مدى سنوات.

يتذكر محمد أنه في البداية وجد صعوبة في التعامل معهن نظرا لما يحدثن من مناكفات ومشاحنات في طابور الفرز والوزن، وأيضا تشكيكهن الدائم في دقة الميزان مما يضطره إلى إعادة العملية في الكثير من الأحيان، لكنه مع مرور الأيام بدأ بتغيير وجهة نظره للأمور.

ويخلص للقول إنه بعد سنوات من التعامل معهن استطاع نسبيا ترويض الجانب المنتفض وعديم الثقة بالمجتمع والناس ليكون الأخ والصديق، إذ يدرك جيدا أن ما دفعهن ألا يقرن في بيوتهن وأن يمضين إلى مصبات النفاية أكبر من أن تستوعبه جدران مركز التجميع الذي يديره.

تقول "حياة" إن الحياة قاسية قساوة إسفلت الشوارع الذي تجوبه يوميا، تصرع كلاب الصباح السائبة وثقل أكياس البلاستيك حينا، وتصرعها قساوة البشر في كثير من الأحيان

مخاطر
لا تستثني "حياة" أغلبية الناس من دك حصون إنسانيتها، ولعلها لفتت انتباهنا إلى عنف لا تفقه كنهه إلا مثيلاتها، إنه عنف النظرة وصفعات الأعين التي تتلقاها من جل المارة طوال اليوم فتلقي بها دون اكتراث في غيابات جب من الألم وتسوي آدميتها بأكداس القمامة.

وتضيف إلى ذلك المخاطر الصحية التي تتعرض لها أثناء نبش القمامة وفرزها، إذ تصاب في العديد من المناسبات بجروح وتقرحات جلدية جراء ما تلامسه بيديها، وسيلتها الوحيدة في حماية نفسها هي العصا التي تستعملها في استكشاف النفايات، وهش الكلاب فجرا.

رحلة تتجدد
أسراب النساء أمثال "حياة" التي تتسلل بصمت كل يوم مع خيوط الشمس باتجاه المزابل لا تحصى ولا تعد -لحد الآن- نفس الوجوه تتشابه، عليها غبرة ترهقها قترة، مسيرة صامتة أصدق إنباء من كلام يعجز عن احتوائها في رحلة تتجدد في نهايتها القمامة ويبلى الإنسان.

المصدر : الجزيرة