خالتي بهيجة.. عميدة مشجعات الكرة في تونس

بدر الدين الوهيبي-بنزرت

في جلبابها الأصفر والأسود لا تكاد تميز وجودها داخل غرفتها الصغيرة المزدانة بذات الألوان في الحي العتيق بمدينة بنزرت شمالي تونس تكتسي الألوان نفسها.

تنظر "خالتي بهيجة" من فراش المرض إلى حصيلة أكثر من سبعين عاما قضتها في متابعة وتشجيع النادي الرياضي البنزرتي أشهر نوادي كرة القدم في الشمال التونسي والبلاد بشكل عام.

صور وأعلام وشعارات للفريق حولت غرفتها الصغيرة المتواضعة إلى مدرج من مدارج ملعب "15 أكتوبر" التاريخ الذي خرج فيه آخر جندي فرنسي من المدينة الإستراتيجية.

بهيجة الصدقاوي (94 عاما) أو كما يحلو للجميع مناداتها "خالتي بهيجة" خبرت طريق ملاعب كرة القدم منذ سن العشرين، حرصت منذ ذلك العمر على متابعة مباريات فريقها المفضل حضورا مباشرا وبحماس لم يفتر على مر السنين.

تستحضر تلك الفترة من تاريخ البلاد عندما دخلت على خط منافسة الرجال تاج السيطرة والتفرد في الملاعب، وتضيف أنها كانت نعتت بالجنون وانعدام الحياء، لكن ذلك لم يطفئ جذوة شغفها بالساحرة المستديرة وفريقها ما بوأها رتبة عميدة مشجعات كرة القدم في بلادها وحتى في العالم العربي.

وسبقت هذه النزعة للخالة بهيجة بما يزيد على 15 عاما الحركة الإصلاحية في تونس مع صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس/آب 1956 التي ضمنت الحقوق الأساسية للمرأة، ثم تأسيس الاتحاد الوطني النسائي التونسي (يناير/كانون الثاني 1959)، تلاه الدستور التونسي في غرة يونيو/حزيران من سنة 1959 ليكرس نفس المبادئ.

حي المدة حيث ولدت وعاشت بهيجة.. عدسة بدر الدين-الجزيرة نت (الجزيرة)

حضور لافت
تحظى خالتي بهيجة بمكانة مميزة أينما تحل، يعرفها جميع أهالي محافظة بنزرت المتربعة على أعلى نقطة شمال البلاد وقارة أفريقيا كلها، خاصة أجيال اللاعبين والإداريين والمشجعين، تعرفها أيضا حجرات الملابس وعشب الملعب الذي تداوم منذ أكثر من نصف قرن على ارتياده.

في الشارع في الحي أو في السوق يعرفها "البنازرتية" (تسمية تطلق محليا على أهالي بنزرت) بألوان ملابسها الفريدة، وهي عادة ما تكون جلبابا ووشاحا وجوارب باللونين الأصفر والأسود في تناسق لافت للأنظار، في تجسيد حي ونادر ومتنقل للفريق الذي تكبره بأربع سنوات.

يرحب الجميع بها ويلتفون حولها يسألونها عن الصحة وأحوال النادي ويتسابقون كبارا وصغارا إلى التقاط صور "سيلفي" بالهواتف النقالة معها، تقول باعتزاز إنهم يسألونها أحيانا التدخل لفض بعض المشاكل العائلية فهي أم الجميع.

وعن نشاطها اليومي، تقول الخالة بهيجة إنها على خلاف ربات البيوت تقضي يومها في كر وفر، تحاور بالأعين متعلقات الفريق داخل غرفتها، تعيد ترتيبها وتلميعها أو صيانتها، وعندما تتكلم أجندة الدوري ويحين موعد مباراة البنزرتي تنسى كل مواعيدها وتهم نحو الملعب.

لا تشكو المرأة تواضع مسكنها الصغير أو ضيق ذات اليد في ظل غياب زوج وأبناء لعدم تكوينها لأسرة بقدر ما تشكو وهن الجسد الذي يقعدها أحيانا عن زيارة الملعب والتنقل لحضور المباريات.

تقول الشابة "أنس" التي تتقاسم الغرفة مع الخالة بهيجة إن الأخيرة تواجه صعوبة في أغلب الأحيان في توفير ثمن الدواء نظرا لضآلة الراتب الذي يصرف لها من الدولة.

في المقابل، أكد مختار الطرابلسي -وهو أحد الإداريين القدامى للفريق- أن الخالة بهيجة لطالما تمتعت بنفس الامتيازات الاجتماعية للاعبين والمدربين مثل مجانية دخول المباريات والتنقل في حافلة الفريق وحضور الحصص التدريبية على عشب الملعب وليس على المد ارج، إضافة إلى دخول حجرات الملابس والتحدث إلى اللاعبين، بل وأيضا الجلوس في المنصة الشرفية مع الشخصيات السياسية والفاعلة.

ويضيف الطرابلسي للجزيرة نت مبتسما أن لاعبي الفريق أيضا كانوا متعودين على حضورها في الحصص التدريبية وكذلك على طريقة انتقادها لعبهم والخطط التكتيكية للمدرب.

صلوات وطقوس
بابتسامة تكاد تغمض عينيها، تحدثنا الخالة بهيجة مستذكرة طقوسها العجيبة التي تزاولها منذ عقود، ففي المباريات الحاسمة للبنزرتي لا تتردد في دخول الميدان قبل بداية المباراة والمكوث في مرمى حارس الفريق للدعاء بالمناعة والحصانة ضد مهاجمي المنافس.

ومع ما تمليه عليها طقوسها من بخور وطواف بالملعب ودعاء وتضرع لله أن يسدد رمي أبناء بنزرت ويسهل نصرهم، هي لا تستثني اللاعبين أيضا، إذ تعمد إلى تكرار العملية داخل حجرات الملابس بمجرد حلولهم فيها. 

وتجزم أنه في حال انتصر الفريق فهو استجابة لدعواتها وطقوسها، أما في حالة الهزيمة فإن ما قامت به قد منع بالتأكيد نتيجة سلبية أثقل و"لكل امرئ ما نوى في هذه الحالة" حسب قولها.  

وتفيد السيدة جليلة قريبة الخالة بهيجة التي تستضيفها منذ السنوات الأخيرة بأن للحياة بجوارها طابعا مختلفا، فهي تعزف على أوتار الأجواء العامة للحي، والكل يعيش على وقع نتائج النادي البنزرتي بفضلها.

وتضيف جليلة ضاحكة أنه في حال انتصر الفريق فإن الأجواء الاحتفالية تعم الحي بدءا من توزيع المشروبات والمرطبات والغناء، وصولا إلى طبخ "الكسكسي بالسمك" الأكلة التقليدية التونسية التي تشرف الخالة بهيجة على اقتناء مستلزماتها بنفسها، ثم توكل مهمة الطبخ بشكل دوري إلى نساء الحي، وفي حالة الهزيمة يسيطر الصمت المطبق احتراما لها حتى تعود إلى سالف سجيتها البشوشة الضاحكة.

شهادة تقدير لبهيجة إثر مشاركتها في فعاليات تظاهرة ذاكرة بنزرت (الجزيرة)

دموع وعتاب
تتابع خالتي بهيجة بنفس الشغف نتائج البنزرتي، قد يحدث أن تنسى إن هي تناولت الدواء من عدمه، لكن ذاكرتها لا تخونها أبدا لتسأل عن نتيجة المباراة، وعلى الرغم من سعادتها بالنتائج الإيجابية التي يحققها الفريق في بداية هذا الموسم فإنها تعاتب عتاب الأم "أبناءها من مسيري النادي الذين تنكروا لها ولم يمدوا يد العون لها وهي في خريف العمر" حسب قولها.

وتظل الخالة بهيجة رمزا حيا لولاء وانتماء غير مشروط للمدينة الأم ومسقط الرأس، وعلى الرغم من تغير العقليات والانفتاح الفكري والثقافي الذي شهده التونسيون فإنها حافظت على تفردها منارة للجماهير الرياضية التي لم تنجب حد الآن بهيجة أخرى يمكنها أن تكون خليفة لها.

ومع تضاؤل فرص العودة إلى الزمن "البهيج" ربما سينتظر أبناء بنزرت وتونس والوطن العربي طويلا حتى يحين موعد ذلك اللقاء.

المصدر : الجزيرة