سعاد مديني.. حلم مؤجل لعشرين سنة ينبعث على المسرح

سعاد مديني.. حلم مؤجل لعشرين سنة ينبعث على المسرح

سعاد مديني: "صعودي للخشبة يجعلني (امرأة وحيدة) إلا من أحلامي في تحقيق ذاتي وإسعاد أسرتي وجمهوري" (الجزيرة)
سعاد مديني: "صعودي للخشبة يجعلني (امرأة وحيدة) إلا من أحلامي في تحقيق ذاتي وإسعاد أسرتي وجمهوري" (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

مثل فراشة تطير مع الريح حينا وعكسه حينا آخر تنتقل سعاد وحيدة على خشبة المسرح في دور "كلثوم"، تقاوم من أجل كرامة المرأة، وتناضل من أجل حب حقيقي.

في تلك المسرحية "هي امرأة في الأعالي تحلق، تسكن في ابتسامتها البلابل، ولا تنحني لذئاب تشتهي سقوطها إلى السفح".

يجعلني وحيدة
تقول سعاد مديني الممثلة المغربية الصاعدة للجزيرة نت "المسرح حياة جديدة، اقتحمت غمار تجربة الممثل الواحد، "كلثوم" فجرت طاقاتي ومواهبي، صعودي للخشبة يجعلني (امرأة وحيدة)، وهو عنوان المسرحية الأصلي إلا من أحلامي في تحقيق ذاتي وإسعاد أسرتي وجمهوري".

لوثة الخشبة
يشع بريق من عيني سعاد وهي تتذكر طفولتها، فمنذ كانت في سن التاسعة جسدت أدوارا تربوية تعليمية بالمدرسة الابتدائية في مدينة الدار البيضاء، ومن حينها أصابتها لوثة الخشبة.

تقول سعاد وهي تبحث في هاتفها عن لقطات من مسرحيتها الجديدة "في السلك الثانوي حققت بعض نجاحاتي بمساعدة المخرج السيد البهجة، مما جعلني أولي اهتماما أكبر لعالم الأضواء والفن المسرحي".

رفض الأسرة
تصمت سعاد قليلا كأنها تتذكر شيئا يحز في نفسها، ثم تستطرد "أنتمي إلى أسرة متوسطة، ورفض والداي التحاقي بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط رغم تحصيلي الدراسي الممتاز بحجة أن المسرح لا يضمن لقمة العيش".

سعاد حرمت في بداية حياتها من دراسة المسرح والتمثيل (الجزيرة)

عودة الحلم
تسترسل سعاد في حديثها بنبرة هادئة "قررت أن أبر بوالدي وأؤجل الحلم إلى حين، تابعت دراساتي بمعهد تكوين الأساتذة وتخرجت منه لأصبح أستاذة التعليم الابتدائي، تم تعييني بمدينة مراكش، ومع تلامذتي انبعث في المسرح من رماده".

تسترجع سعاد ذكرى أخرى حين شاركت في دورة تكوينية للمسرح وفازت بأفضل ممثلة مسرحية في المجموعة، ورسمت بذلك ابتسامة اعتزاز على محيا زوجها وطفليها الذين ساندوها في جميع مراحل المسابقة وآمنوا بموهبتها.

وتضيف قائلة "لقبي هذا أعادني إلى عالم أحلامي من جديد، ذلك الحلم الموقوف التنفيذ منذ عقدين من الزمن".

صفقوا لـ"كلثوم"
ساعة من زمن هي وقت مسرحية "كلثوم" من فصل واحد، والمقتبسة عن مسرحية الكاتب الإيطالي "داريو فو" "امرأة وحيدة"، شدت بها الأنفاس، من شاهدوا العرض على مسرح دار الثقافة بمدينة مراكش وقفوا وصفقوا طويلا.

من شاهدوا العرض على مسرح دار الثقافة بمدينة مراكش وقفوا وصفقوا طويلا (الجزيرة)

تعبير إنساني
تقول منى لعتيق للجزيرة نت "شاهدت العرض مرة أولى وحرصت على مشاهدته للمرة الثانية، ما شدني في أداء سعاد هو انتقالها من تعبير إنساني إلى آخر بشكل فريد حتى أنه في لحظة ما اختلطت دموع حزني بضحكاتي".

أما محمد جنان فقال "لم أشاهد عرضا يتطرق لموضوع التحرش الجنسي بهذا العمق كما فعلت كلثوم، لقد استطاعت أن تلامس جوانب أخرى، وتهاجم أبشع صوره حين يأتي من داخل بيتها التي يعتقد الجميع أنه آمن".

ضوء وعتمة
على هاتفها تعيد سعاد مشاهدة لقطات من مسرحيتها، يمتلكها الاستغراب الممزوج بالاطمئنان وهي ترى "كلثوم" تثور ثم تهدأ، تصرخ ثم تتوسل، تسرع الخطى، ثم تعود لتتثاقل كماء بئر، تنتقل من حالة الضحك المجنون إلى حالة الحزن المدفون.

وبين الضوء والعتمة تتقمص سعاد جميع أدوار حياة امرأة، بأدائها المسترسل تسقط القاعة في صمت رهيب، حين تتألم تحرك في الجمهور ذكرياته الحزينة، وحين تفرح تطلق العنان لخياله الواسع.

وفي لحظة ما تستهزئ من "رجال أمن" يفترض أن يدافعوا عنها، لكن يتهمون حواء حتما وإن كانت بريئة، وتؤكد سعاد بعينيها اللامعتين فخرا أن تجربة تجسيد شخصية "امرأة وحيدة" هو نجاح لكل امرأة تهوى الفن وتسعى إلى تحقيق أمنيتها. 

تترجم انفعالاتها إلى هدوء وسكينة جعلا دم "كلثوم" باردا هامدا كضباب مدينة لندن في عز مواسمه (الجزيرة)

ضجيج وهدوء
ترسم سعاد ابتسامة عريضة وهي تحيي جمهورها بعد العرض، والذي أحاط بها من جانب.

تقول رشيدة أيت مسعود "حلقت بعيدا في عالم "كلثوم"، وأنا أرى هذه الممثلة الشابة تجسد حالات انفعالية متناقضة ليس بينها فاصل". وتضيف "ليونتها الجسدية تركت حركاتها تشد الانتباه".

في لقطة ما تتسارع دقات قلوب المشاهدين بضجيج وجلبة وصخب يغزو المسرح.

رنين هاتف ثابت، صخب موسيقى المذياع، أزيز طرق الباب وبكاء طفلها وصفارة أخ زوجها المريض غير القادر على الكلام، تترجم انفعالاتها إلى هدوء وسكينة جعلا دم "كلثوم" باردا هامدا كضباب مدينة لندن في عز مواسمه.

وهي لا تزال تنظر إلى هاتفها تتابع سعاد حديثها للجزيرة نت "إنها كانت من أصعب مشاهد المسرحية، حيث تلخص مسار صبر الإنسان وحلمه في عالم مليء بالعقبات والتحديات".

نظرة أخرى
يقول السعيد شكور مخرج المسرحية للجزيرة نت "في العمل مع سعاد تجد المرونة اللازمة في الممثل، والحب الكبير للعمل المسرحي". 

ويؤكد "سر نجاحها هو التزامها واقتناعها بما تفعل، حتى خلال التدريب تحس معها بأنك تشاهد العرض الرسمي". 

أما المخرج والدراماتورج الدكتور إبراهيم الهنائي فيبرز "خلال ورشة تدريبية اكتشفت في سعاد الحماس في العمل والصدق في الأداء".

ويضيف للجزيرة نت "سعاد يمكنها أن تتقمص أدوارا كثيرة، بل يمكن أن تنتقل من دور إلى آخر بسلاسة".

استعداد للآتي
تلقي سعاد نظرة أخيرة على هاتفها، يسكنها الحلم في أداء جيد بالمهرجان الدولي للمونودراما النسائي، والمنظم من طرف فرقة دراما السينمائية على مسرح المدينة الحمراء الشهر المقبل.

حضور شخصيات وازنة بالمجال الفني والثقافي من ممثلين عالميين ونقاد وهاوين في الاختبار المقبل علاوة على جمهورها يجعلها متلهفة أكثر لصعود الخشبة.

يسكنها الحلم في أداء جيد بالمهرجان الدولي للمونودراما النسائي (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة