تحف الحلفاء.. ابتكارات صنعتها نساء الريف التونسي

خديجة شعباني ترتق تحف الحلفاء في محافظة القصرين (الجزيرة)
خديجة شعباني ترتق تحف الحلفاء في محافظة القصرين (الجزيرة)
محمد علي لطيفي-القصرين
مع بداية كل فجر تبدأ خديجة شعباني (50 سنة) رحلتها نحو أعالي الجبال المحيطة بمدينة ماجل بلعباس، إحدى مراكز الحكم المحلي في محافظة القصرين وسط غرب تونس، لاقتلاع نبتة الحلفاء، من الفصيلة النجيلية، التي يبلغ طولها حوالي نصف متر، برفقة عشرات النساء، من أجل توفير لقمة العيش.
تطويع الحلفاء
قساوة المناخ شبه الصحراوي في هذه "السباسب"، وصعوبة تسلّق التضاريس، ليست أقوى من الفقر والجوع، وحتى الندوب والشقوق على كفهن باتت مشهدا مألوفا، المهم بالنسبة لهن أن تطوع أياديهن ألياف الحلفاء الخشنة، لتحوّلها إلى منتوجات متنوعة، من تحف فنية، وصالونات متنوعة.
تمسك خديجة شعباني سنابل الحلفاء بيدها، التي تخدش كل من يلامسهما، بواسطة عود خشبي، يعرف بـ"المقلاع"، وتجهد نفسها من أجل اقتلاعها، ثم تعيد الكرّة مرات، حتى تظفر بحزمة من الحلفاء، تربطها جيدا حول جسدها النحيل لتعود إلى البيت، مشيا على الأقدام لمسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات.
خديجة وأسرتها يصنعون تحف من الحلفاء داخل منزلهم الصغير (الجزيرة)
أنامل ذهبية
بعد تلك الرحلة الشاقة، تتضافر جهود خديجة رفقة زوجها وابنتها، كخلية النمل، من أجل صنع تحف، وصالونات تبدأ بوضع الحلفاء في أوانٍ مملوءة بالماء للمحافظة على ليونتها، ليشرعوا بعد ذلك في رفسها بواسطة عصا غليظة، بعد تجفيفها في أشعة الشمس، ثم تبدأ بعد ذلك عملية تصنيعها.
لا تهدأ حركة تلك الأنامل الذهبية في رتق الحلفاء بواسطة إبرة بانتظام، من أجل الحصول على ابتكارات ومنتجات تراثية، ثم تقوم في مرحلة لاحقة بتلوين القطع المصنوعة، وتقول خديجة للجزيرة نت إنها خبِرت مهارتها من أجدادها القدامى وهي ما زالت حريصة على تلقينه للأجيال القادمة.
تصمت قليلا، وهي تمعن النظر حول نصب الأعمال الفنية التي ابتكرتها مع أسرتها، من نبتة الحلفاء، وتضيف "للجزيرة نت" أن أسعار هذه المنتوجات تختلف باختلاف الجهد المبذول في القطعة التي يحتاج بعضها إلى أيام عديدة، بمعدل سبع ساعات يوميا. 
نظراتها الواثقة، لم تخف مخاوفها من إمكانية كساد منتوجها، فهي تأمل في الحصول على آلة لتطوير صناعتها، وتقول خديجة للجزيرة نت "منتوجاتنا شهدت كسادا بعد ثورة يناير التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، والحكومة وقفت مكتوفة الأيدي ولم تساعدنا كحرفيين".
خديجة شعباني تعلم ابنتها مهنتها التي ورثتها عن أجدادها (الجزيرة)
رقابة السلطة
لا تأبه النسوة في هذه الأرياف الفقيرة بقرار السلطات التي ترفض السماح باقتلاع نبتة الحلفاء إلا في المواسم التي تقررها الإدارة الفلاحية، ولا ترهبها العقوبات التي تفرضها الدولة ضد المتجاوزين، التي تصل حد السجن والتغريم المالي، فحاجتهن إلى إطعام أبنائهن أقوى من قرارات الحكومة.
حارس الغابات بلباسه الأخضر هو الآخر أرهبهن كثيرا، فطالما رأين فيه صورة الدولة التي عجزت عن توفير لقمة العيش لعائلاتهن، التي مثلت نبتة الحلفاء مصدر رزقهم الوحيد، رغم أنه أحيانا يعطف عليهن ويراعي ظروفهن الصعبة فيسمح لهن باقتلاعها دون علم السلطات.
نبتة الحلفاء من الفصيلة النجيلية ويبلغ طولها حوالي نصف متر (الجزيرة)
كارثة ولكن!
ويقول محمد بوفلغة المندوب جهوي للتنمية الفلاحية بالقصرين، في تصريح "للجزيرة نت"، إن اقتلاع الحلفاء على مدار السنة يشكل كارثة اقتصادية وصناعية، لأنها قد تتسبب في تراجع بعض المنتوجات التي توفرها الحكومة من هذه النبتة، مقدرا أنها مصدر رزق لعديد لعائلات، لكنه حريص على اقتلاعها بشكل قانوني. 
وتبلغ المساحة الإجمالية لنبتة الحلفاء في محافظة القصرين على 146 ألف هكتار، يبلغ نصيب مركز الحكم المحلي ماجل بلعباس 33 ألف هكتارا منها، في حين يبلغ ثمن مئة كيلوغرام من الحلفاء 15 دينارا (حوالي 5.2 دولارات).
تقصير الحكومة 
يقول الناشط في المجتمع المدني كمال فارحي للجزيرة نت، إن "صناعة منتوجات الحلفاء من أقدم الصناعات التقليدية بمحافظة القصرين، وهي تمثل مصدر رزق لأغلب أهالي المنطقة الذين يتكبدون المشاق، بين هضاب المرتفعات الشاهقة، أملا في تحصيل قوت لأسرهم". 
ثم يضيف أن الدولة لا تقوم بتشجيع الحرفيين، في تطوير مشاريعهم، مشيرا إلى أنهم يعملون بطرق تقليدية في إنتاج تحف فنية، ويواجهون الكثير من الصعاب والتحديات وهو ما قد يؤثر بشكلٍ سلبي على هذه الحرف التي يهددها الزمن بالاندثار.
من جهته، يقول مراد فارح رئيس الفرع الجهوي للمنظمة الدولية للقيادات الشبابية "للجزيرة نت"، إن شباب محافظة القصرين، حيث سقط أكبر عدد من القتلى بين المتظاهرين قبيل 14 يناير/كانون الثاني 2011، يتردد في خوض غمار تجربة تصنيع الحلفاء، بسبب عدم منحهم فرصا جدية لإنجاح مشاريعهم الحرفية.
خديجة تصفف تحفها الفنية بعد انتهاء مرحلة تصنيعها (الجزيرة)
ندوب أمل
تتقاطر ندوب أيادي خديجة على منحنيات تلك الجبال دما، على أمل أن توقف الحكومة، نزيف أناملها ومساعدتها في فتح ورشة حرفية، وتمكينها من شراء آلة خاصة بالحلفاء لتطوير صناعتها.
المصدر : الجزيرة