مأساة ملاكم تونسي حطم بن علي أحلامه وأقعده على كرسي متحرك

المنصوري حوله الظلم في عهد بن علي من بطل للملاكمة إلى مشرد على كرسي متحرك (الجزيرة)
المنصوري حوله الظلم في عهد بن علي من بطل للملاكمة إلى مشرد على كرسي متحرك (الجزيرة)

آمال الهلالي-تونس

فصول من المعاناة والظلم ذاقها البطل التونسي والعالمي في الملاكمة محمد علي المنصوري على يد شرطة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، انتهت به إلى حياة التشرد والقهر، مما يتضح على ملامحه وجسده المحمول على كرسي متحرك.

يجلس الشيخ المنصوري بلحيته البيضاء الكثيفة وشعره الأشعث على كرسي متحرك أمام جامع الفتح بتونس العاصمة، ليرعى مئات من أزواج الحمام التي اشتراها وزينها بألوان مبهجة، وهو يناديها باسمها فتحط على يديه لتأكل حبات القمح.

ويعرفه القاصي والداني بتلك المنطقة في قلب العاصمة "بشيخ جامع الفتح" أو "بصديق الحمام"، وبعض المارة ينظرون إليه بعين الشفقة، فيقدمون له المال دون أن يطلب، يذهب أغلبها في شراء القمح للحمام ومستلزمات تزيينه.

يظن بعض رواد الشارع المحاذي لجامع الفتح أن الرجل يمتهن التسول، لكن أهل المنطقة نفوا ذلك للجزيرة نت؛ فالرجل رغم عدم قدرته على المشي يحرص على كنس ساحة الجامع الخارجية، ويتقاضى مبلغا من إدارة المسجد ومن أصحاب القلوب الرحيمة.

ويتكفل المنصوري رغم وضعيته المادية والجسدية الصعبة بإعانة المشردين في ليالي البرد القارس، حيث يؤمن لهم أغطية صوفية جلبها بمساعدة بعض المتطوعين لمن لا مأوى له.

التقت الجزيرة نت المنصوري، الذي فتح قلبه ليعود بالذاكرة إلى الوراء ويسرد بعض الجوانب المأساوية وكيف ظلمه وسجنه نظام بن علي وجرده من ثروته الطائلة التي جمعها بعد سنوات من الغربة والنزال فوق حلبات الملاكمة؟

مرحلة البطولات والأموال
يقول الرجل الذي بلغ عقده السابع للجزيرة نت، بعبارات تخنقها العبرات، إن 19 سنة لم تداو جراحه، ويسترجع ذكرياته عندما كان بطل تونس في الملاكمة، وتسبب في رفع رايتها عاليا في سماء مدينة سيدني الأسترالية، حيث لمع نجمه وكتبت عنه الصحف العالمية والتونسية، وحقق ثروة طائلة حولها كلها لحسابه البنكي في بلاده.

لا يزال المنصوري محتفظا بما كتبه عنه الإعلام التونسي حين تألق في سماء أستراليا كبطل في الملاكمة (الجزيرة)

ويضيف "اكتشفت موهبتي في الملاكمة منذ الصغر عندما كنت أعمل بأحد محلات الحلويات جهة الباساج بالعاصمة، وساعدتني بنيتي الجسدية حينها على خوض معارك رابحة مع بعض المتطفلين، فقررت احتراف الملاكمة".

ويتابع "حصدت خلال فترة الثمانينيات ميداليات ذهبية، وتألقت مع فريق الملعب التونسي، ثم جمعته الأقدار بشخص أجنبي جاء ذات يوم لمحل الحلويات الذي أعمل فيه، لأقرر بعدها السفر معه لمدينة كاليدونيا الجديدة، ومنها إلى أستراليا".

وفي منزله المتواضع جهة الباساج لا يزال المنصوري محتفظا بصور له خلال فترة شبابه لبعض النزالات في حلبة الملاكمة مع الأبطال الأجانب، وأخرى له وقد وشم على صدره شعار الجمهورية التونسية "نظام.. حرية.. عدالة"، لكن العدالة لم تتحقق معه كما يقول.

المنصوري يعيش على الذكريات عندما كان بطلا للملاكمة (الجزيرة)

ويروي الشيخ المنصوري بداية مأساته قائلا "ذات يوم من عام 2000 بأحد نزل مدينة الحمامات السياحية شرق العاصمة، حيث اختار الرجل الاستجمام هناك عائدا من أستراليا، فوجئ على الطاولة المقابلة بحديث مريب يدور بين أشخاص تونسيين وأجانب حول عمليات بيع وشراء للأعضاء البشرية والآثار".

ويقول "كانت معي كاميرا ألتقط بها صورا تذكارية لمدينة الحمامات فقمت بتشغيلها خلسة ووثقت الحديث الدائر بين "عصابة تجارة الأعضاء"، ثم انطلقت بعدها لأحرر رسالة لرئاسة الجمهورية أطلب خلالها لقاء الرئيس بن علي لأطلعه على هذه العصابة الخطيرة".

بداية المأساة
ويضيف والدموع تترقرق في عينيه "لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى فوجئت بأفراد من الأمن يطرقون باب بيتي ويقبضون علي بالقوة ويقتادونني إلى أحد مراكز الأمن، حيث وجهت إلي تهمة الاغتصاب واقتياد أنثى دون رضاها".

يصمت الشيخ المنصوري قليلا ليكفكف دموع القهر، كما يصفها كلما تذكر فصول العذاب والهوان التي ذاقها بعد تلك الحادثة، حيث انقلبت حياته رأسا على عقب، وأصبح متهما ظلما بتهمة لم يقترفها، ثم يواصل "اقتادني السجانون إلى السجن مكبلا بسلاسل حديدية صدئة ربطت بإحكام في يدي وساقي ليجبروني على الاعتراف، ويستمر التعذيب والضرب والركل ثماني ساعات متتالية، كانت كافية لتحوله إلى العناية المركزة، ويجد نفسه في مستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة، وقد تورمت رجلاه، ليقرر الأطباء بترهما".

ويقول "خرجت من المستشفى على كرسي متحرك، لكن المصائب لم تأت فرادى، فقد استولت بعض الشخصيات النافذة المقربة من المخلوع على أراضيه التي تقدر بمئات الهكتارات بجهة مكثر من محافظة سليانة بالشمال الغربي، في حين صادر بن علي جميع أمواله التي حولها من أستراليا".

فقد المنصوري -كما يقول- عائلته بعد أن طلقته زوجته الأسترالية وهجره أبناؤه، وخسر صحته وماله، ولم يبق له من أنيس وحبيب سوى الحمام الذي ألفه وأحبه.

ويقول المنصوري "بعد خروجي من المستشفى رفعت قضية ضد من عذبوني وطالبت بتعويضات تقدر بمليارين ونصف مليار دينار تونسي قبل الثورة، لكن القضية ظلت حبيسة رفوف المحاكم في عهد المخلوع حتى طمست، وبعد الثورة حاولت إحياءها بتقديم شكوى لهيئة العدالة الانتقالية لتعويض ضحايا الاستبداد وما زلت أنتظر النتيجة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحولت أزمة البحث عن ملعب لاحتضان مباراة "ديربي" العاصمة تونس بين الترجي والأفريقي إلى قضية لا تزال تسيل الكثير من الحبر وتفرز جدلا متصاعدا بشأن تردي حالة الملاعب والمنشآت الرياضية في تونس.

المزيد من رياضات أخرى
الأكثر قراءة