لا مكان لكبار السن في شركات التكنولوجيا

بالنظر إلى مشكلة الشيخوخة التي تعاني منها بريطانيا من المنطقي أن يستثمر أرباب العمل في موظفين أكثر نضجا بتدريبهم لمواكبة التكنولوجيا الجديدة ومتطلبات الاقتصاد الرقمي (رويترز)
بالنظر إلى مشكلة الشيخوخة التي تعاني منها بريطانيا من المنطقي أن يستثمر أرباب العمل في موظفين أكثر نضجا بتدريبهم لمواكبة التكنولوجيا الجديدة ومتطلبات الاقتصاد الرقمي (رويترز)

من منا لا يذكر فيلم "لا بلد للعجائز" (No Country For Old Men) من كتابة وإخراج الأخوين كوين، وبطولة تومي لي جونز، وخافيير باردم، وجوش برولين، الذي يعدّه النقاد أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما الأميركية، إذ يجمع القدر بين 3 رجال ممن تزيد أعمارهم على 50 عاما في مطاردة دامية تنتهي نهاية مأساوية من أجل مليوني دولار.

يبدو الأمر مشابها الآن لكبار السن الذين يعملون في قطاع التكنولوجيا ممن تزيد أعمارهم على 50 عاما.. لا أحد يريد توظيفهم، ومن على رأس عمله منهم يُستبدل بموظفين أصغر سنا وأقل راتبا.

وكثيرا ما نسمع عن قصص مروعة في أثناء بحث هذه الفئة عن عمل، تشير إلى تمييز عنصري على أساس العمر في هذا القطاع "لا يريدون توظيفي لأنهم يعتقدون أنني غير قادر على التعامل مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، أو رفضوا توظيفي لأنني أملك خبرات كبيرة أكثر مما يحتاجون إليه، أو فصلوني من عملي لأن راتبي عال ووظفوا بدلا مني شابا صغيرا حديث التخرج براتب أقل مما كنت أتقاضاه".

مواطنون رقميون.. مواطنون غير رقميين

وقالت منصة "إيه إيه آر بي" (aarp.org) إن أكثر من ثلثي الشركات في القطاع التقني ترى أن التقدم في السن يمثل عائقا تنافسيا، وأشارت البيانات التي جُمعت إلى أن ثلثي الأفراد الذين تراوح أعمارهم بين 45 و74 عاما قد عانوا التمييز المرتبط بالعمر.

وتوصلت دراسة بريطانية حديثة أعدّها معهد شارتد لتكنولوجيا المعلومات "بي سي إس" (BCS) ونشرت نتائجها منصة "زد دي نت" (ZD Net) قبل أيام إلى "أن هناك 13 ألف مختص في تكنولوجيا المعلومات في المملكة المتحدة ممن تزيد أعمارهم على 50 عاما عاطلون عن العمل، ولا يجدون مؤسسات تقبل بتوظيفهم". ووجدت الدراسة أن "22% فقط من العاملين في وظائف بقطاع تكنولوجيا المعلومات تزيد أعمارهم على 50 عاما".

وقالت "بي سي إس" إن المشكلة يمكن أن تعود إلى عدد من العوامل، منها حقيقة أن الذين تزيد أعمارهم على 50 عاما لا يُتعامل معهم على أنهم "مواطنون رقميون أصليون" (digital natives) ومن ثم تعتقد الشركات أنهم أقل قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة مقارنة بالأجيال الشابة.

وأشارت الدراسة إلى أن هناك عاملا آخر قد يكون أكثر أهمية، هو التمييز على أساس السن (age discrimination)، وذلك كما قال الدكتور بيل ميتشل مدير السياسة في بي سي إس.

العديد من أرباب العمل لم يكونوا على دراية بالموارد التي يمكنهم استخدامها لتحسين مهارات موظفيهم وتطويرها (الأناضول)

فجوة المهارات الرقمية

وبالنظر إلى مشكلة الشيخوخة التي تعاني منها بريطانيا، قال ميتشل "إن من المنطقي تماما بل من الواجب أيضا أن يستثمر أرباب العمل في موظفين أكثر نضجا بتدريبهم لتمكينهم من مواكبة التكنولوجيا الجديدة ومتطلبات الاقتصاد الرقمي".

وأضاف أن "الاحتفاظ بالموظفين القدامى الأكبر سنا وتطوير مهاراتهم أمر حيوي لدعم هؤلاء الموظفين وتحفيزهم كي يشعروا بالثقة بالنفس عند التعامل مع التطورات التكنولوجية بدلا من الاستغناء عن خدماتهم".

ووصفت بي سي إس الخطط الحكومية لتقديم "ضمان مدى الحياة للمهارات" بأنها "خطوة مهمة" نحو معالجة فجوة المهارات الرقمية المتزايدة في المملكة المتحدة، بإعطاء الفرصة لمزيد من الناس للتدرب وتطوير مهاراتهم.

وأضاف ميتشل أن العديد من أرباب العمل لم يكونوا على دراية بالموارد التي يمكنهم استخدامها لتحسين مهارات موظفيهم وتطويرها، وقال إن "هناك مجموعة من دورات التدريب الصناعي الرقمي بما في ذلك الدورات المتخصصة في الأمن السيبراني والبرمجيات وتحليل البيانات، ولا يهم كم يبلغ عمر المتدربين".

وأكد أنه "يمكن لأصحاب العمل الاستفادة من هذه الدورات والبرامج التدريبية التي تدعم التطوير المستمر للقوى العاملة لديهم لتأهيل مواهب جديدة من داخل مؤسساتهم، أو لتوظيف مواهب جديدة بغض النظر عن العمر ما داموا مؤهلين لأداء العمل المطلوب منهم".

إعادة تأهيل كبار السن يوفر عشرات آلاف الوظائف

وتوصلت الدراسة إلى أن إعادة تأهيل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 50 عاما وتدريبهم للعمل في قطاع التكنولوجيا يمكن أن يوفر أكثر من 119 ألف متخصص إضافي في تكنولوجيا المعلومات للقوى العاملة في المملكة المتحدة، وهو ما يمثل "خطوة مهمة" في معالجة فجوة المهارات الرقمية التي يحتاج إليها القطاع بشدة.

وأضحت الدراسة أن قلة كبار السن الذين يعملون في مجال التكنولوجيا كانت "مؤشرا قويا على أن هذه المجموعة بحاجة إلى إعادة تأهيل"، بخاصة أن المملكة المتحدة تواجه نقصا متفاقما في المهارات الرقمية مع خروج البلاد من الوباء، والتحول الرقمي الذي عمّ جميع القطاعات".

وقالت كاثي فارندون، رئيسة مجلس إدارة جمعية بي سي إس، إنّ "هناك طلبا كبيرا على المهارات الرقمية ليس في القطاع التقني فقط ولكن في كل القطاعات وجميع المهن بسبب التحول الرقمي في أساليب العمل الذي أدّت إليه جائحة كورونا".

وأضافت "حاليا، يكافح ما يقرب من 70% من أرباب العمل للعثور على موظفين يتمتعون بالمهارات الرقمية المناسبة، وهو ما يكلف الصناعة البريطانية مليارات الجنيهات".

هناك نحو 17.1 مليون بالغ في المملكة المتحدة  أي نحو 52% من القوى العاملة في البلاد يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية (غيتي)

ووجدت دراسة أخرى أعدّتها دائرة الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة (DCMS) التابعة للحكومة البريطانية في مايو/أيار 2021 أن ما يقرب من نصف الشركات (46%) قد عانت في إيجاد مختصين لتوظيفهم في القطاع التقني ومعالجة البيانات خلال السنتين الماضيتين، وفي الوقت نفسه تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 178 ألفا إلى 234 ألف وظيفة شاغرة في هذا المجال في البلاد بحاجة إلى شغلها.

وقدّر بحث آخر أنجزه "تحالف المهارات الرقمية" (FutureDotNow) في الشهر نفسه أن نحو 17.1 مليون بالغ في المملكة المتحدة، أي نحو 52% من القوى العاملة في البلاد يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية، وهو ما يؤثر بشدة في الاقتصاد البريطاني في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الاستثمار في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

نعم هناك مستقبل

يقول الكاتب الإنجليزي الشهير، آلان مور، في رواية "ذا ووتشمان" (The Watchmen)، "لا يوجد مستقبل. لا يوجد ماضٍ. هل ترى؟ الوقت متزامن".

يبدو الأمر مدهشا في كيفية التعامل مع الزمن على أنه متزامن، وأن كل شيء يحدث في اللحظة ذاتها، أو كما وصفه كريستوفر نولان في فيلم الخيال العلمي "إنترستيلر" (Interstellar) على أنه "بعد رابع"، ومن دون الخوض في ميكانيكا الكم، فإن الاعتقاد أن الزمن ليس خطيا هو تناقض، وكلمة لكبار السن لا بد أنهم يعرفونها، هي أن الزمن شيء ثمين ينبغي التعامل معه بذكاء باتباع قواعد اللعبة أو صنع لعبة جديدة لنفسك.

ونعم.. دائما هناك مستقبل، وأفضل طريقة لمكافحة التمييز على أساس السن هي مواصلة التعلم.. الإنسان قادر على التعلم حتى نهاية عمره، وإذا وجدت نفسك في الخمسينيات من العمر، وتشعر بالقلق وأن القطار قد فاتك، فإن الخبر السار هو أن التعلم أرخص وأسهل بكثير مما كان عليه قبل 20 عاما، فهناك عشرات المواقع على الإنترنت تقدم دورات تدريبية متقدمة ومجانية، وستجد كثيرا منها على يوتيوب مثلا، وهناك برامج تأهيل وتدريب مجانية أيضا تقدمها أفضل المعاهد والجامعات في العالم، فكل شيء الآن صار أسهل وأرخص من أي وقت مضى، وما عليك سوى أن تريد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة