"العودة للمستقبل".. ندوة في قمة "وايز" عن التعليم المخصص

بيان صحفي: قمة وايز 2021 تحتضن أصوات صانعي التغيير الشباب وتُشركهم في حوار مفتوح حول مستقبل التعليم
التعليم المخصص يشير إلى إلى مجموعة من المفاهيم منها التعلم الذاتي والفردي وبيئة التعلم الشخصية (الجزيرة)

الدوحة- في اقتباس لفكرة الجزء الثاني من الفيلم الأميركي الشهير "العودة للمستقبل" الذي أنتج سنة 1989 -وهو من إخراج روبرت زيميكس وبطولة مايكل جي فوكس وكريستوفر لويد- استضاف مركز قطر للمعارض والمؤتمرات على هامش فعاليات مؤتمر قمة "وايز" للتعليم والابتكار المقام حاليا في العاصمة القطرية الدوحة ندوة حملت عنوان "العودة إلى المستقبل.. التعلم المخصص بعد الوباء".

جائحة كورونا والعودة للمستقبل

لكن ما علاقة الفيلم بالتعليم وكورونا؟ الحقيقة كما يقول ضيوف الندوة وهم: مهدي بن شعبان (المدير التنفيذي للابتكار والتعلّم، مؤسسة قطر)، وإلياس فلفول (مدير الشراكات والتطوير في وايز)، وجوناثون بردويل (الرئيس الإقليمي للسياسات والرؤى، إيكونوميست إمباكت)، وإيزابيل هاو (مؤسسة إمباكت)، ومقدمة الندوة آنا سي رولند (الناشرة والرئيسة التنفيذية، مجلّة ديبلوماتيك كوريير)، فإن أزمة كورونا كان لها الفضل في وضع العالم في حالة استشراف للمستقبل إذ فرضت عليهم التعامل مع الجائحة والإغلاقات بطريقة مختلفة، والاستعانة بالتكنولوجيا في مجالات جديدة، من ضمنها التعليم.

لقد جاءت هذه الجائحة لتضع مجال التعليم أمام استحقاقات المستقبل الذي يعطي أهمية كبيرة لأحد أهم مفاهيم التعليم في المستقبل، وهو "التعليم المخصص".

معنى "التعليم المخصص"

ما "التعليم المخصص" إذن؟ يشير مصطلح "التعليم المخصص" الذي ظهر في بداية الستينيات إلى مجموعة من المفاهيم، منها: التعلم الذاتي، والتعليم الفردي، وبيئة التعلم الشخصية، والتوجيه المباشر إلى الجهود المبذولة لتصميم التعليم وتلبية المتطلبات المختلفة للطلاب.

أما هيئة التعليم في المملكة المتحدة فتعرّف التعليم المخصص بأنه "نطاق من خبرات التعلم وإستراتيجيات التدريس التي ترمي إلى تلبية احتياجات التعلم المختلفة، ومراعاة الاهتمامات والخلفيات المتنوعة للمتعلمين".

وبالمثل فإن "ليب" (LEAP) -وهي شبكة أميركية مخصصة للتعلم- لديها 3 مبادئ توجيهية لتعريف مصطلح التعلم المخصص؛ هي:

  • الحرص على ما يجلبه المتعلمون إلى التعليم وليس ما يحتاجون إليه منه.
  • أن كل واحد ينجح مع تخصيص التعليم بحاجاته.
  • أن كل طالب يجلب القوة إلى التعليم المتخصص.
عودة المدارسالآباء والمعلمون لا يزالون يحملون أفكارا ومفاهيم قديمة عن العملية التعليمية لا تصلح لعصر الثورة الصناعية الرقمية (بيكسابي)

التكنولوجيا ليست المشكلة

اعتماد التعليم المخصص في أنظمة التعلم في المدرسة ليس سهلا، فبجانب ضرورة الاستثمار في التكنولوجيا يشير بحث استعرضه جوناثون بردويل إلى أن العائق الأكبر في التحول نحو التعليم المخصص هو الثقافة، إذ سيكون هناك حاجة كبيرة إلى إجراء تغيير تربوي وإجرائي لبلوغ النتيجة المرجوّة.

ففكرة تخصيص التعلم شديدة الأهمية وتحظى بشعبية بين المعلمين، لكن هناك بعض عدم اليقين بشأن معنى العبارة. ويرجعها المعلمون إلى تصميمات الدرس، واختيار التكنولوجيا فقط، وليس إلى قيادة المتعلم للعملية التعليمية.

وهنا تظهر إشكالية أخرى هي استيعاب الآباء والتلاميذ لفكرة أن يقود المتعلم الدرس وليس المعلم، وعدم قناعتهم بنجاعة هذه العملية التي تبدو كأنها عبء على الطالب والأهل.

وعلى الرغم من أن جائحة كورونا فرضت هذا المفهوم على العالم حيث اضطر العديد من الطلاب إلى استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية، والاعتماد عليها، فإن مفهوم "تخصيص التعليم" لا يزال غائبا، وذلك راجع إلى ثقافة المستخدمين، وليس إلى نقص أو عيب في التكنولوجيا.

وأرجع مهدي بوشعبان سبب سوء فهم الآباء والأبناء لعملية التحول نحو التعليم المخصص إلى حجم التغيير الذي نتحدث عنه، فهو يرى أنه تغيير كبير وليس مجرد إجراءات بسيطة وهو ما يدفع العديد من الأهالي إلى عدم تقبله، كما أنهم لا يستطيعون فهم الفائدة منه فلم يسبق لهم أن جربوه قبل الجائحة.

ويقول إلياس فلفول إن الآباء والمعلمين لا يزالون يحملون أفكارا ومفاهيم قديمة عن العملية التعليمية؛ فالنظام التعليمي الحالي يرجع إلى القرن الماضي وهو بالتأكيد لا يصلح للعصر الحالي عصر ثورة الصناعية الرقمية، ولهذا يجب تغيير هذه المفاهيم، خصوصا مع دخول التكنولوجيا بقوة إلى المنظومة التعليمية.

وفي هذا السياق سألت المحاورة مهدي بوشعبان عن العلاقة بين التكنولوجيا و"التعليم المخصص"، فأوضح أنه لمعرفة العلاقة يجب تحديد الهدف من "التعليم المخصص" خصوصا أن "هذا المفهوم يحمل معاني كثيرة كما عرفنا سابقا، وبناء على تحديدنا الهدف سيكون بلوغه عبر الأدوات المناسبة التي من ضمنها التكنولوجيا، وربما تكون أهمها في بعض المجالات".

بيان صحفي: قمة وايز 2021 تحتضن أصوات صانعي التغيير الشباب وتُشركهم في حوار مفتوح حول مستقبل التعليملمعرفة العلاقة بين التعليم المخصص والتكنولوجيا يجب تحديد الهدف من عملية التعليم المخصص أولا (الجزيرة)

كيف نحل هذه المعضلة؟

وتساءل أحد الحضور عن الواجب فعله لتشجيع الطلاب والمعلمين والأهالي لتبنّي هذا النوع من التعليم، فأجاب جوناثون أن البحث الذي قاموا به يقترح 4 خطوات يمكن أن تساعد المدارس على تقديم التوعية إلى الآباء والطلاب.

  • الخطوة الأولى: إيجاد وسائل أفضل ومختلفة لقياس فعالية التعليم المخصص وإظهارها. فوفقا لجيمس ريكابو من معهد تخصيص التعلم، فإنه من دون دليل لتأييد النتائج التي تدعم أهمية تخصيص التعلم خصوصا وسط أنظمة مدرسية قديمة، سيحجم المعلمون عن المضي قدمًا في هذا التغيير الكبير.
  • الخطوة الثانية: ربما هي الخطوة الأهم، وهي مدى تناسب التعلم المخصص مع شخصية المتعلم مقارنة مع نظام التعليم الحالي، فمقاييس التعليم الحالي تعتمد على الأساليب التقليدية. ويقول جيمس ريكابو إن التعلم الشخصي لا يعتمد على درجات الاختبار  كما هو الحال في نظام التعليم الحالي، بل يعتمد بشكل خاص على تطوير مهارات القرن الـ21، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات. لذلك فتجربة أنظمة القياس والتقويم التي تعطي قيمة أكبر لهذه المهارات يمكن أن تكون مفتاح تسهيل تبنّي التعلم الشخصي.
  • الخطوة الثالثة: تتعلق بالحاجة إلى أن يعمل التقنيون والمعلمون معًا وبشكل أكثر قربا، فهذا يمكن أن يساعد على تحسين أنواع المنتجات والتقنيات المتاحة للمعلمين، وبدورها قد تساعد في إعادة صياغة وتطوير مقاييس أفضل للنجاح.
  • الخطوة الرابعة: من الضروري تشجيع أولياء الأمور والطلاب على تبنّي هذا المنهج والمساعدة في تطويره. ففي حين أظهر المعلمون بالفعل مستويات عالية جدًّا من الدعم للتعلم المخصص، كان هناك فتور في الحماسة لدى الطلاب وأولياء الأمور.

ويرى العديد من الآباء هذا تغييرًا كبيرًا عن الطريقة التي عهدوها عن التعليم، ولدى بعض الطلاب يعدّ هذا طلبا إضافيا للاعتماد على الذات، ويمكن أن يكون عملًا شاقًّا.

ذهبت جائحة كورونا وتركت لنا التعليم المخصص

قد تكون الجائحة المركبة أخذتنا نحو المستقبل لنطوّر مفاهيمنا القديمة عن التعليم، وربما هي رؤية استشرافية، لكن المؤكد أنها ستلهم البشرية للتحرك نحو تغيير القناعات القديمة الخاصة بأساليب التعليم ومفاهيمه الجديدة، والمؤكد أن التعليم بعد الجائحة لن يكون كما كان قبلها.

المصدر : الجزيرة