هل هي بداية عصر جديد للخلايا الشمسية؟

هناك تطورات مهمة في صناعة الألواح الشمسية (الجزيرة)
هناك تطورات مهمة في صناعة الألواح الشمسية (الجزيرة)

في المستقبل غير البعيد قد يصبح بإمكان أسطح المباني وجدرانها ونوافذها وهياكل السيارات والملابس وربما الجلد أيضا تحويل أشعة الشمس الساقطة عليها إلى طاقة يمكن الاستفادة منها.

وسيعود الفضل في ذلك إلى التطورات المهمة التي تطرأ حاليا على صناعة الألواح الشمسية وتكسبها بعض الخصائص المهمة لتحقيق ذلك، كخفة الوزن والمرونة والشفافية والسمك الرفيع، وهو ما يدفع بعض الخبراء إلى الاعتقاد بأن الطاقة الشمسية ستهيمن على العالم بفضل سهولة الحصول عليها وقابليتها للتوسع بطريقة لا يمكن أن يجاريها فيها أي مصدر آخر للطاقة.

ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية تعتبر الطاقة الشمسية المصدر الأسرع نمواً للطاقة الجديدة في العالم، حيث يفوق نموها نمو جميع أشكال الطاقة المتجددة الأخرى، ومن المنتظر أن تهيمن على النمو المستقبلي للطاقة.

ففي تصريح أوردته وسائل الإعلام، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية الدكتور فاتح بيرول إن ما نشهده هو ولادة عصر جديد في الخلايا الشمسية الكهروضوئية. وتوقع أن يكون نمو الطاقة الشمسية الكهروضوئية أعلى من أي تقنية أخرى بداية من عام 2022.

حتى السنوات القليلة الماضية ظلت الألواح الشمسية المصنعة من السيليكون الأكثر استخداما في مجال تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية، وهي تمثل اليوم أكثر من 90% من الألواح المصنعة. وعلى الرغم من الانخفاضات المذهلة في تكلفة إنتاج الطاقة المستمدة من الشمس من خلال تجربة تصنيع أكبر، تبدو الألواح الشمسية السيليكونية، بالطريقة التي تعمل بها، ثقيلة وجامدة بسبب حجمها وكيفية صنعها المعقدة؛ إذ يمر السيليكون بمراحل تصنيع كثيرة تحتاج لدرجات حرارة عالية تزيد عن على ألف درجة مئوية لإنتاج رقاقة هشة إلى حد ما قبل وضعها في خلية شمسية وتغليفها بطبقة من الزجاج لحمايتها.

 مواد بديلة
لكن الأمر بدأ يتغير في السنوات القليلة الماضية، مع نجاح تصنيع خلايا شمسية تعتمد على مواد بديلة للسيليكون، من ذلك الخلايا المصنوعة من معادن البيروفسكايت، وهي شبه موصلات مثل أوكسيد تيتانيوم الكالسيوم عديم اللون.
وتتميز هذه الخلايا الجديدة بانخفاض كلفة تصنيعها، كما أنها تمتص أشعة الشمس في أجزاء من الطيف لا تستطيع خلايا السيليكون تحويلها إلى كهرباء؛ وهو ما دفع العديد من الباحثين إلى التفكير بداية في إدماج خلايا البيروكسايت كعناصر مضافة في الخلايا السيليكونية لرفع كفاءتها في تحويل الطاقة قبل التوصل إلى تصنيع ألواح شمسية تعتمد كليا على هذه المعادن.

ونجح في هذا الإطار فريق من الباحثين الأميركيين والصينيين مؤخرا (خلال شهر يونيو/حزيران الحالي) في صنع خلايا بيروفسكايت قادرة على امتصاص جميع الأطوال الموجية للضوء تقريبًا، مع تحسين كبير في كفاءة تحويلها الطاقة يدفع إلى الاهتمام باستخدامها كبدائل -وليس مكملات- منخفضة التكلفة للألواح الشمسية التقليدية.

ورغم أهمية هذه الخطوات في إيجاد مواد بديلة للسيليكون تتيح صناعة خلايا شمسية منخفضة الكلفة؛ فإنها لا تمثل الإنجاز العلمي الأهم في الفترة الأخيرة؛ إذ يعمل باحثون في العديد من دول العالم على تطوير خلايا شمسية مرنة وشفافة مستفيدين من التقدم الحاصل في تقنيات النانو التي تتيح صناعة مواد ذات خصائص فيزيائية غير مألوفة.


خلايا رفيعة وشفافة
وفي هذا المجال توصل باحثون كوريون جنوبيون مؤخرا إلى ابتكار خلايا شمسية يبلغ سمكها 1 ميكروميتر (واحد على الألف من المليمتر) باستخدام مادة زرنيخيد الغاليوم كشبه موصل، ويقع لحام الخلايا في درجة حرارة عادية مباشرة على ركيزة معدنية رفيعة. ومن المثير للإعجاب، أن هذه الخلايا تنتج تقريبًا طاقة بنفس قدر الخلايا الكهروضوئية السميكة، ويمكن طيها أو لفها حول أسطوانة بنصف قطر صغير يصل إلى 1.4 ملليمتر".

 ابتكار
وهذه ليست الخلية الشمسية الأرفع التي توصل العلماء لابتكارها إلى حد الآن، ففي عام 2016، توصل الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى تصنيع خلايا شمسية صغيرة وخفيفة لدرجة أنها يمكن وضعها فوق فقاعة الصابون وذلك باعتماد تقنية مبتكرة يدمج خلالها تصنيع الخلية الشمسية والركيزة التي تدعمها والطلاء الواقي لحمايتها في عملية واحدة.

وتتم العملية في درجة حرارة الغرفة ودون الحاجة إلى المذيبات ودرجات الحرارة العالية اللازمة لتصنيع الخلايا الشمسية التقليدية. ويقول الباحثون إن عملية التصنيع نفسها يمكن أن تعمل مع عدد من المواد المختلفة، بما في ذلك البيروفسكايت، مما يؤدي إلى إنتاج خلايا شمسية صغيرة وشفافة بما يكفي لتضمينها في النوافذ أو مواد البناء.

وستتيح هذه الخصائص الجديدة للخلايا الشمسية إمكانية دمجها في كل شيء تقريبا؛ بداية من مواد البناء والشوارع والجسور ومواقف السيارات والمركبات وأسقف المباني وطلاء الجدران والنوافذ، وصولا إلى الأجهزة القابلة للارتداء والملابس والنظارات والقبعات أو حقائب الظهر أو حتى الجلد.

ورغم أن هذه الابتكارات ما زالت –في أغلبها- إلى حد اليوم في مراحلها التجريبية داخل مختبرات البحث، فإنه من المتوقع أن يجد معظمها طريقه نحو الأسواق في السنوات القادمة، وستغير بشكل جذري نظرتنا لهذا المصدر الطبيعي والمتجدد للطاقة من شيء نولده في موقع معين إلى شيء نحصده في كل مكان. وستصبح البيئة العمرانية للحضارة الإنسانية شبكة من حاصدات الطاقة المتجددة وفي غنى عن مصادر الطاقة التقليدية الملوثة للبيئة.
_______________
* إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية.

المصدر : الجزيرة