التقويمان الشمسي والقمري.. أيهما أدق؟

الشهر القمري ظاهرة فلكية مرصودة مقارنة بالشهر الشمسي الذي لا يعبر عن أي ظاهرة (رويترز)
الشهر القمري ظاهرة فلكية مرصودة مقارنة بالشهر الشمسي الذي لا يعبر عن أي ظاهرة (رويترز)

*هاني الضليع

في محاضراتي العامة، عادة ما أطرح سؤالا مفاده: كيف عرف القدماء أن السنة مكونة من اثني عشر شهرا، وليس أكثر من ذلك ولا أقل؟ والإجابة هي أن القمر يتم 12 دورة حول الأرض إلى حين عودة الفصول إلى وضعها الأول، فيعود الربيع ربيعا أو الشتاء شتاءً.

ولكن ماذا لو لم يكن هناك قمر يدور حول الأرض، كيف للبشرية أن تكون قد عرفت الشهر؟ وما هو التقسيم الجديد للسنة إذاك؟

يكاد الفلكيون يجزمون بأنه لولا القمر لما استقرت الأرض على ما هي عليه ولما ظهرت عليها الحياة. وفي الوقت ذاته لما عرف الناس الوقت بمفهومه الحالي، ولبقيت التقسيمات الرئيسية هي اليوم والسنة فقط. حتى مصطلح "الأسبوع" هو مجرد اصطلاح لا يمثل أي ظاهرة فلكية، وهو على الأغلب منزل مع الديانات السماوية وليس من اختراع البشر.

وفي المقابل، فإن الشهر القمري ظاهرة فلكية مرصودة، مقارنة مع الشهر الشمسي الذي لا يعبر عن أي ظاهرة إنما هو اصطلاح سياسي. وليس أدل على ذلك من انتقاص حق شهر فبراير/شباط الذي لا يطول سوى 28 يوماً لثلاث سنوات، ثم في الرابعة يصبح 29 يوما مقارنة بباقي شهور السنة التي يتراوح طولها بين ثلاثين وواحد وثلاثين يوما.

القمر يتحرك بين النجوم كل يوم، بل ويغير من شكله بين هلال وتربيع وأحدب وبدر ومحاق، وبذلك تتكرر دورته عيانا كل شهر

فالقمر يتحرك بين النجوم كل يوم، بل يغير من شكله بين هلال وتربيع وأحدب وبدر ومحاق، وبذلك تتكرر دورته عيانا كل شهر. لكن هذا الشهر يكون أحيانا 29 يوما ويكون 30 في أحيان أخرى. وعلى الرغم من أن الله تعالى قرر في كتابه العزيز أن التقويم القمري هو أصل التقويم (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، فإن الأمم لم تتفق بعد على ذلك، بل تختلف أشد الاختلاف في كيفية بدء الشهر القمري ومن أين يبدأ وكيف يبدأ.

وللمقارنة، فإن اليوم الشمسي يبدأ عندما يحل منتصف الليل، أي حين تدق الساعة تمام الثانية عشرة منتصف الليل. وبعدد أيام الشهر المتفق عليها، ينتقل الناس من شهر أبريل/نيسان، على سبيل المثال، إلى شهر مايو/أيار دون أن تجد معترضا واحدا على سطح البسيطة ينفي أن يكون اليوم هو بداية الشهر أو نهايته.

في المقابل، تختلف دول كثيرة على بداية الشهر القمري بحيث يمتد هذا الاختلاف أحيانا إلى ثلاثة أيام، رغم علم الجميع بأن القمر لا يتخلف عن دورانه حول الأرض لحظة واحدة، بل إن اصطفافه الشهري مع الأرض والشمس يحدث في لحظة عالمية واحدة يحسبها الفلكيون لمئات السنين القادمة.

ولأن الفارق بالأيام بين التقويمين هو حوالي أحد عشر يوما (طول السنة القمرية 354.37 يوما، والسنة الشمسية 365.25 يوما)، فهذا يؤدي بالشهر القمري إلى أن ينتقل بين فصول السنة جميعها في دورة تعرف بدورة القمر الشمسية التي تستغرق عاما.

ولهذا فإننا نرى شهر رمضان المبارك يتنقل بين فصول السنة وشهورها. وفي ذلك حكمة كبيرة هي أن لا يظل الناس الذين تطول فترة صيامهم أو تقصر ثابتة على مدار السنة. وهذا الفرق ظهر واضحا جليا لدى قدماء المفسرين الذي فسروا آية سورة الكهف (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) أي أن المدة التي قضوها في الحقيقة هي 300 سنة شمسية أو 309 سنوات قمرية، إذ إن كل مئة سنة شمسية تعادل 103 سنوات قمرية.

ولأن التقويم القمري ليس منضبطا وفق معيار معين حتى الآن، إذ تعريف بداية الشهر بعيدا عن كونه اصطلاحا فلكيا، إلا أن الشرع هو الحكم الفصل، فمن الفقهاء من يعتبر الاقتران هو أصل الحساب، ومنهم من يعتمد رؤية الهلال هو الأصل. 

عرف القدماء السنة الكبيسة، فحتى يحافظوا على شهر رمضان في موسم الرمضاء والحر، وربيع الأول والثاني في موسم الربيع، والحج في موسم الشتاء، أضافوا شهرا ثالث عشر للسنة الثالثة في التقويم القمري

وعلى أي حال، فقد عرف القدماء قضية تدعى الكبس، وهي السنة الكبيسة، فحتى يحافظوا على شهر رمضان في موسم الرمضاء والحر، وربيع الأول والثاني في موسم الربيع، والحج في موسم الشتاء، فقد أضافوا شهرا ثالث عشر للسنة الثالثة في التقويم القمري، وهذا الذي فعلته أكثر الحضارات التي استخدمت القمر تقويما لها. وهو ما ذمه القرآن الكريم بقوله في سورة التوبة:(إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاما وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما). فكانوا يكبسون الشهور تارة وينسؤونها تارة أخرى، فيبدلون شهر المحرم الحرام بشهر صفر الذي يحلون لأنفسهم فيه وفي غيره من الشهور القتال.
 
ولأن السنة الشمسية مكونة من 365 يوما وربع اليوم، فإن هذا الربع يجبر مرة كل أربع سنوات فيصبح طول شهر فبراير/شباط 29 يوما، وتدعى هذه السنة بالسنة الكبيسة، وهي من مضاعفات الرقم 4، لكن هذا الكبس لا يعمل به عند رأس كل قرن من مضاعفات الرقم أربعمئة، فتستثنى تلك السنة من الكبس.

وإضافة إلى ذلك، وللتعويض بين الوقت الذي تمثله الكرة الأرضية وبين وقت الساعة، فإن ثانية زمنية واحدة تضاف إلى الساعة كل حوالي سنة ونصف السنة وتدعى بالثانية الكبيسة، وسببها تباطؤ سرعة دوران الكرة الأرضية واختلافها عن الساعة الذرية.

والخلاصة أن كلا التقويمين الشمسي والقمري منضبط: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، لكن يظل ضبط التقويم القمري بحاجة إلى قرار سياسي سيادي عالمي، كما حدث في ضبط التقويم الشمسي بهذه السيادة التي قررها القياصرة القدماء يوليو وأغسطس، ثم تبعتهم بريطانيا التي اعتمدت غرينتش خطا مرجعيا عالميا لخطوط الطول تبدأ كل الحسابات الزمنية من عنده، (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أكد علماء الفضاء في وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا) هذا الأسبوع، وجود كهف ضخم تحت سطح القمر بعد فحص التجويف بالموجات اللاسلكية.

قد يُظن أن القمر سيكون أكثر رومانسية لو كان أقرب، لكن الحقيقة لن تكون أجمل، بل إن ذكرياته ستكون حزينة، إذ إن القمر عالم قاحل لا حياة عليه.

المزيد من تكنولوجيا
الأكثر قراءة